اضفه للمفضله اخبر عنا اتصل بنا البث المباشر

التاريخ : 7/8/1428 هـ

بحوث ودراســات

الشيخ/ جماز بن عبدالرحمن الجماز

عاشوراء بين الحقائق والأوهام

 

بسم الله الرحمن الرحيم

شهر الله المحرم :

عاشوراء من أيام شهر الله المحرّم ، والمحرّم هو الشهر الأول من شهور السنة العربية القمرية ويذكر الأخباريون أن الاسم القديم للمحرم : هو صفر ، ويُعرف عندهم بصفر الأول ، ثُم قيل له : المحرّم

والظاهر أن تسميته بالمحرم إنما ظهرت في الإسلام :

وينعت هذا الشهر بالحرام ، فيقال : المحرّم الحرام ، وليس ذلك في غيره من الشهور ، لأنه أول السنة ، وهو أيضاً الشهر الأول من شهور السنة الهجرية في الإسلام .

وقد سماه النبي r : « شهر الله المحرم » خرّجه مسلم من حديث أبي هريرة مرفوعاً .

وإضافته إلى الله تعالى للدلالة على شرفه وفضله ، وفيه إشارة إلى أن تحريمه إلى الله عز وجل ليس لأحد تبديله ، كما كانت الجاهلية ، يحلونه ويحرمون مكانه صفراً ، فأشار إلى أنه شهر الله الذي حرّمه ، فليس لأحد من خلقه تبديل ذلك وتغييره .

ويظهر أنه كان لشهر المحرم مكانة كبيرة في نفوس العرب ، بدليل أنه اختُصّ من بين الشهور الأربعة بالاسم الذي يدل صراحة على حرمته .

وذكر الحافظ ابن كثير أنه سمي بذلك تأكيداً لتحريمه ، لأن العرب كانت تتقلب فيه فتحله عاماً وتحرمه عاماً . ا . هـ

أو يقال : لأن العرب كانوا لا يستحلون فيه القتال

الأشهر الحرم :

الأشهر الحرم أربعة : ثلاثة سَرد ، وواحد فَرْد ، فالسرد : ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ، والفرد : رجب .

وسميت حرماً ، لتحريم القتال فيها ، ولتعظيم انتهاك المحارم فيها أشد من تعظيمه في غيرها ، قال تعالى :{إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتَابِ اللّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَات وَالأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلاَ تَظْلِمُواْ فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ }التوبة: ٣٦ أي في هذه الأشهر المحرّمة ، لأنه آكد وأبلغ في الإثم من غيرها ، قال ابن عباس : ( جعل الذنب فيهن أعظم ، والعمل الصالح والأجر أعظم ) ا.هـ وقال قتادة : ( إن الظلم في الأشهر الحرم أعظم خطيئة ووزراً من الظلم فيما سواها ) ا.هـ قال البغوي – ما ملخصه - : العرب كانت في الجاهلية قد بدّلت أشهر الحرّم ، ذلك أنهم كانوا يعتقدون تعظيم هذه الأشهر الحرم ، ويتحرّجون فيها عن القتال ، فاستحل بعضهم القتال فيها من أجل أن عامة معايشهم كانت من الصيد والغارة ، فكان يشق عليهم الكف عن ذلك ثلاثة أشهر على التوالي ، وكانوا إذا استحلوا شهراً منها ، حرّموا مكانه شهراً آخر ، وهو النسيء الذي ذكره الله{إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُواْ} التوبة: ٣٧ ومعنى النسيء : تأخير تحريم رجب إلى شعبان ، والمحرم إلى صفر .

ومكثوا لذلك زماناً ، ثم احتاجوا إلى تأخير تحريم صفر إلى الربيع ، فعلوا هكذا شهراً بعد شهر ، حتى استدار التحريم على السنة كلها ، فقام الإسلام وقد رجع المحرم إلى موضعه الذي وضعه الله ، وذلك بعد دهر طويل ــ قوله r : « إن الزمان قد استدار كهيأته يوم خلق الله السماوات والأرض ، السنة اثنا عشر شهراً ، منها أربعة حرم ، ثلاث متواليات : ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ، ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان ... » خرجه البخاري ومسلم من حديث أبي بكرة مرفوعاً .

وإضافته إلى مضر ليبين صحة قولهم في رجب أنه الشهر الذي بين جمادى وشعبان ، لا كما تظنه ربيعة من أن رجب المحرم هو الشهر الذي بين شعبان وشوال ، قاله ابن كثير . ا.هـ

ولما كان المحرم أول شهور العام ، وبه يبدأ العبد صفحة جديدة في سجل أعماله ، ناسب أن يبدأ صفحته بعمل جليل ، وهو الصوم ، غير أن التهنئة في أول كل عام هو أمرٌ مُحدَث ، بدعة لا أصل له ، قاله العلوان "مش" ونقل السيوطي عن الحافظ أبي الحسن المقدسي أنه مباح ليس بسنة ولا بدعة .

قلت : والأول أولى .

"شرح السنة" للبغوي (7/215-222) ، "تفسير ابن كثير" (4/86-91) "تفسير ابن الجوزي" (3/432)

"الأيام والليالي والشهور" للفراء ص (41) ، "المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام" د.جواد علي (8/458)

"بلوغ الأرب" للألوسي (3/218) ، "لطائف المعارف" لابن رجب ص (32)

"المجلة العربية" عدد (132) سنة (12) محرم (1409هـ ) ص (23) ، "الحاوي" للسيوطي (1/110-111)

"صيام عاشوراء" للرحيلي ص (10 ، 18-19 ، 21-25) .

تتمة في التهنئة :

لم يذكر العلماء أصلاً للتهنئة بالأعوام والأشهر ، وعليه فعدم المشروعية هو الأصح .

"التهنئة في الإسلام أصولها وأحكامها" لمساعد بن قاسم الفالح ص (25)

معنى عاشوراء :

عاشوراء ، فيه لغات "عاشوراء" بالمد مع الألف بعد العين ، و "عاشورا" بالقصر مع الألف بعد العين ، و"عشوراء" بالمد مع حذف الألف ، و"عشورا" بالقصر مع حذف الألف ، و"عاشور" على وزن هارون ، و"عاشوراء" مشتق من العشر الذي هو اسم للعدد المعين .

قال القرطبي : ( عاشوراء معدول عن عاشرة للمبالغة والتعظيم ، وهو في الأصل صفة لليلة العاشرة ، وهو علم على اليوم العاشر ... ) ا.هـ

وقد اختلف في أصل هذه الكلمة [ فقيل : إنه عبراني ، وقيل : إنه عربي ] والأظهر أن عاشوراء يوم سمي في الإسلام ، ولم يُعرف في الجاهلية ، وهو كغيره من الألفاظ ؛ ذكره ابن دريد في "الجمهرة" .

قال د.علي عبد الواحد وافي : ( تاسوعاء وعاشوراء تسميتان عربيتان قديمتان ، وليستا منقولتين من العبرية ، ولا من غيرها . ) ا.هـ

"المصباح المنير" للفيومي ص (156) ، "دائرة المعارف" للبستاني" (11/445) ،

"فتح الباري" لابن حجر (4/245) ، "نيل الأوطار" للشوكاني (5/251) ، "جمهرة اللغة" لابن دريد (2/343)

"النهاية" لابن الأثير (3/240) ، "بحوث في الإسلام والاجتماع" لعلي عبد الواحد وافي (1/200)

مجلة "منبر الإسلام" عدد (1) سنة (23) محرم (1385هـ) ص (35) د.علي عبد الواحد وافي

"صيام عاشوراء" للرحيلي (26-30) .

سبب تسميته عاشوراء :

تعددت الأقوال في سبب تسميته عاشوراء بهذا الاسم ، والمشهور عند أهل اللغة والحديث أنه سميِّ بذلك ، لأنه عاشر المحرّم .

وقيل : لأن الله تعالى أكرم فيه عشرة من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام بعشر كرامات :

الأول : موسى عليه السلام ، فإنه نُصِر فيه ، وفُلِق البحر له ، وغَرِق فرعون وجنوده .

الثاني : نوح عليه السلام ، استوت سفينته على الجودي فيه .

الثالث : يونس عليه السلام ، أُنجِي فيه من بطن الحوت .

الرابع : فيه تاب الله على آدم عليه السلام ، قاله عكرمة .

الخامس : يوسف عليه السلام ، فإنه أخرج من الجبِّ فيه .

السادس : عيسى عليه السلام ، فإنه وُلِد فيه ، وفيه رُفِع .

السابع : داود عليه السلام ، فإنه تابَ الله عليه .

الثامن : إبراهيم عليه السلام ، ولِدَ فيه .

التاسع : يعقوب عليه السلام ، فيه رُدَّ بصرُه .

العاشر : نبينا محمد r ، فيه غُفِر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر .

هكذا ذكروا عشرة من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ، وذكر بعضهم من العشرة إدريس عليه السلام ، فإنه رُفِع إلى مكان في السماء ، وأيوب عليه السلام ، فيه كشف الله ضره ، وسليمان عليه السلام فيه أُعطِي المُلك .

وقال جماعة : إنما سمي عاشوراء ، لأنه عاشر عشر كرامات أكرم الله بها هذه الأمة :

أولها : شهر رجب ، وهو شهر الله الأصم ، وفضله على سائر الشهور كفضل هذه الأمة على سائر الأمم .

والثاني : شهر شعبان ، وفضله على سائر الشهور ، كفضل النبي r على سائر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام .

والثالث : شهر رمضان ، وفضله على سائر الشهور ، كفضل الله تعالى على خلقه

والرابع : ليلة القدر ، وهي خير من ألف شهر .

والخامس : يوم الفطر ، وهو يوم الجزاء .

والسادس : أيام العشر الأول من ذي الحجة ، وهي أيام ذكر الله تعالى .

والسابع : يوم عرفة ، وصومه كفارة سنتين .

والثامن : يوم النحر ، وهو يوم الحج الأكبر ، يوم الفرقان .

والتاسع : يوم الجمعة ، وهو سيد الأيام ، وعيد الأسبوع .

والعاشر : يوم عاشوراء ، وصومه كفارة سنة .

فلكل وقت من هذه الأوقات كرامات جعلها الله تعالى لهذه الأمة ، لتكفير ذنوبهم وتطهير خطاياهم.

"عمدة القاري" للعيني (11/117-118) ، "تنبيه الغافلين" للسمرقندي (1/368-369)

"صيام عاشوراء" للرحيلي ص (31-32) .

تعيين يوم عاشوراء :

اختلف في تعيين يوم عاشوراء على ثلاثة أقوال : فقيل : هو التاسع من المحرم ، وقيل : الحادي عشر من المحرم ، وقيل: العاشر من المحرم ، ويدل لذلك الاشتقاق ، فإنه يدل عليه ، وعن ابن عباس قال : ( أَمر رسول الله r بصيام عاشوراء يوم العاشر ) خرّجه الترمذي وغيره وصحّحه الألباني .

وعن عائشة : ( أن النبي r أمر بصيام يوم عاشوراء ، يوم العاشر ) خرَّجه البزار ورجاله رجال الصحيح ، قاله الهيثمي ؛ وعن قتادة عن سعيد بن المسيب والحسن وعكرمة ، قالوا : عاشوراء يوم العاشر ؛ خرجه ابن أبي شيبة وهو قول أكثر أهل اللغة وبه قال الزبيدي والأزهري وابن فارس وغيرهم وهو المشهور عند العلماء من السلف والخلف ، وهو مذهب جمهور العلماء من الصحابة والتابعين ، وهو قول مالك والشافعي وأحمد وغيرهم ، وهذا هو الصحيح

"تاج العروس" للزبيدي (13/43) ، "تهذيب اللغة" للأزهري (1/409)

"معجم مقاييس اللغة" لابن فارس (4/326) ، "عمدة القاري" للعيني (11/117)

"مجمع الزوائد" للهيثمي (3/189) ، "مصنف ابن أبي شيبة" (3/59) ، "صحيح مسلم بشرح النووي" (8/12)

"صحيح الترمذي" للألباني (1/229) ، "صيام عاشوراء" للرحيلي ص (38-41) .

صيام يوم عاشوراء :

عندما هاجر الرسول r إلى المدينة النبوية في ربيع الأول من السنة الأولى للهجرة ، وأقام فيها إلى المحرم من السنة الثانية من الهجرة ، وجد اليهود تصوم يوم عاشوراء ، لأن نبيهم موسى عليه السلام كان يصومه ، وأمر r أصحابه بصوم هذا اليوم ، وقد كان هذا الأمر في صباح اليوم العاشر من المحرم ، وقد أكل بعض الناس ، فطلب منهم الرسول r الامتناع عن الأكل وصيام هذا اليوم .

وبعث رسله إلى القرى المجاورة للمدينة ، وهم يحملون أمره إلى الناس بأن يكفوا عن الأكل ، ويصوموا بقية يومهم ، وقد جاء هذا الأمر في أحاديث كثيرة ، منها :

حديث سلمة بن الأكوع ، قال : أمر النبي r رجلاً من أسلم « أن أذِّن في الناس أنَّ من كان أكل فليصم بقية يومه ، ومن لم يكن أكل فليصم ، فإن اليوم يوم عاشوراء » خرَّجه البخاري وغيره .

وعن محمد بن صيفي قال : ( قال لنا رسول الله r يوم عاشوراء : « منكم أحد طعم اليوم ؟ » قلنا : منا طعم ، ومنا من لم يطعم ، قال : « فأتموا بقية يومكم ، من كان طعم ، ومن لم يطعم ، فأرسلوا إلى أهل العروض فليتموا بقية يومهم » قال : يعني أهل العروض حول المدينة ) خرجه ابن ماجه وغيره وصححه الألباني . وفي يوم الاثنين لليلتين خلتا من شعبان من السنة الثانية من الهجرة ، فرض الله على رسوله r والمؤمنين به صوم شهر رمضان ، فلم ينههم الرسولr عن صوم عاشوراء ولم يأمرهم بصومه ، الأمر الذي كان يأمرهم به قبل وجوب صوم شهر رمضان ، ولكنه كان يندبهم إلى صومه بتعريفه إياهم ، ما لهم فيه من الأجر والثواب ، فمن صامه فله الأجر والثواب من الله ، ومن ترك صومه فلا لوم عليه ؛ قال الشوكاني : ( وبهذا لم يقع الأمر بصوم عاشوراء إلا في سنة واحدة ، هي السنة الثانية من الهجرة ، ثم صار سنَّة ) .

ومما يدل على نسخ صوم عاشوراء : حديث عائشة ، قالت : ( كان رسول الله r أمر بصيام عاشوراء ، فلما فُرِض رمضان كان من شاء صام ، ومن شاء أفطر ) خرّجه البخاري وغيره .

وحديث عائشة أيضاً قالت : ( كان يوم عاشوراء يوماً تصومه قريش في الجاهلية) فذكرت الحديث ، إلى أن قالت : ( فلما فرض رمضان كان هو الفريضة ) الحديث ، خرّجه أبو داود وغيره وصححه الألباني ؛ ولغيرهما .

قال الحافظ ابن حجر : ( ويؤخذ من مجموع الأحاديث أنه كان واجباً ، لثبوت الأمر بصومه ، ثم تأكد الأمر بذلك ، ثم زيادة التأكيد بالنداء العام ، ثم زيادته بأمر من أكل بالإمساك ، ثم زيادته بأمر الأمهات ألا يرضعن فيه الأطفال ، وبقول ابن مسعود الثابت في صحيح مسلم : لما فُرِض رمضان تُرِك عاشوراء ... ا.هـ

وجملة القول : أنه أول الإسلام حين شُرِع قبل صوم رمضان أنه كان واجباً أو فرضا – [ الفرض لما ثبت بالقرآن ، والواجب لما ثبت بالسنة ، نصُّ أحمد في رواية ، ذكره العظيم آبادي - ] ثم نسخ بفرض رمضان ، وصار صومه سنة ، وهذا قول جمهور العلماء ، أبو حنيفة ومالك وبعض الشافعية ورواية عن أحمد ، اختارها ابن تيمية وابن القيم وابن حجر وغيرهم .

ونقل القاضي عياض : ( أن بعض السلف كان يرى بقاء فرضية عاشوراء ) قال ابن حجر : ( لكن انقرض القائلون بذلك ) ا.هـ

ولهذا حكى جماعة اتفاق العلماء على أن صوم يوم عاشوراء اليوم سُنّة وليس بواجب ، وهذا هو الصحيح.

"صحيح ابن ماجه" (1/290) ، "فتح الباري" (4/246) ، "بلوغ الأماني" للساعاتي (10/184)

"تهذيب الآثار" للطبري (1/397) ، "فقه السنة" للسيد سابق (1/433)

"مجموع فتاوى ابن تيمية" (25/311) ، "زاد المعاد" لابن القيم (2/71) ، "فتح الباري" (4/289)

"فتح الباري" (4/247) ، "صحيح مسلم بشرح النووي" (8/4 ، 253) ، "صحيح أبي داود" (2/463)

"عون المعبود" للعظيم آبادي (7/115) ، "صيام عاشوراء" للرحيلي ص (33-37 ، 42-48)

"نيل الأوطار" للشوكاني (4/256-257) .

مراتب صيام عاشوراء :

ذكر العلماء أن صوم يوم عاشوراء على أربع مراتب :

الأولى : صوم ثلاثة الأيام : التاسع والعاشر والحادي عشر .

الثانية : صوم التاسع والعاشر فقط .

الثالثة : صوم التاسع والعاشر ، فإن لم يكن فالعاشر والحادي عشر .

الرابعة : صوم العاشر فقط .

والأولى : عدها جماعة أكمل المراتب وأفضلها ، لحديث ابن عباس : ( أن النبي r قال : « صوموا يوم عاشوراء وخالفوا اليهود ، صوموا قبله يوماً وبعده يوماً » خرَّجه البيهقي وغيره ، واختارها ابن القيم وابن حجر والشوكاني ، وكان بعض السلف يصومها كأبي إسحاق السبيعي وابن سيرين ، ونصّ الشافعي على استحبابها ، ويجاب عن الحديث : بأنه لا يصح وهو ضعيف منكر ، قاله الشوكاني ، وضعفه الألباني ، وانظر ص (53)

والثانية : صوم التاسع والعاشر هي السنة والمقدّمة ، وعليها أكثر الأحاديث ، منها ما تقدم من الأحاديث وأمره r بصيام عاشوراء "العاشر" وحديث ابن عباس (حين صام رسول الله r يوم عاشوراء وأمر بصيامه ، قالوا : يا رسول الله : إنه يوم تعظمه اليهود والنصارى ، فقال رسول الله r : « فإذا كان العام المقبل إن شاء الله صمنا اليوم التاسع » قال : فلم يأتِ العام المقبل حتى توفي رسول الله r) وفي رواية : ( قال رسول الله r : « لئن بقيت إلى قابل لأصومن التاسع » خرجها مسلم ؛ ولقول ابن عباس موقوفاً عليه : ( صوموا اليوم التاسع والعاشر ، وخالفوا اليهود ) خرّجه البيهقي وصححه الأرناؤوط ، ويروى عن ابن عباس موقوفاً عليه : ( صوموا قبله ، وخالفوا اليهود ) أورده البغوي .

والأظهر في صيام التاسع مع العاشر هو عدم التشبه باليهود ، واختاره النووي وصيام التاسع مع العاشر هو قول الشافعي وأحمد وإسحاق وهو مذهب الجمهور ، ورجّحه ابن باز والعلوان وابن عثيمين ، فإن لم يصم مع عاشوراء تاسوعاء ، سنّ صيام الحادي عشر ، لمخالفة اليهود ، وهو مذهب الشافعية .

وأما أدنى المراتب وأقلها : فهي صيام عاشوراء "العاشر" فقط .

وذهب جماعة إلى أنه يكره إفراده بالصوم ، لمكان التشبه باليهود ، وهو قول ابن عباس ومذهب أبي حنيفة ، ومقتضى كلام أحمد ، ورجّحه ابن باز وابن عثيمين.

وقال آخرون : لا يكره إفراده ، لأنه r صامه مدة عمره منفرداً ، وتمنى لو عاش إلى قابل صامه مع التاسع ، وهذا قول الشافعي ورواية عن أحمد ، وهو الصحيح من المذهب ، واختاره ابن تيمية والعلوان ؛ وقال بعض من قال : إنه يكره ، أنه لا يحصل الأجر التام إذا أفرده ، قال العلوان : ليس بصحيح ، بل له الأجر ولو أنه مرة صام مع العاشر مخالفة أدرك السُنّة ، وإلا لا يلزمه كل عام ا.هـ "مش"

"زاد المعاد" (2/76) ، "فتح الباري" (4/246 ، 289) ، "نيل الأوطار" للشوكاني (4/258-259)

"ضعيف الجامع" ص (512) رقم (3506) ، "مغني المحتاج" للشربيني (1/446)

"لطائف المعارف" لابن رجب ص (49) ، "صحيح مسلم بشرح النووي" (8/258-260)

"شرح السنة" للبغوي" (6/339-340) ، "فتاوى إسلامية" (2/170) ، "حاشية ابن قاسم" (3/450)

"الإنصاف" (3/346) ، "الممتع" لابن عثيمين (6/470) ، "صيام عاشوراء" للرحيلي ص (51-57)

"الضياء اللامع" لابن عثيمين (2/709) .

الحكمة من صيام عاشوراء :

قال ابن عباس : ( قدم النبي r المدينة ، فرأى اليهود تصوم يوم عاشوراء ، فقال : « ما هذا ؟ » قالوا : هذا يوم صالح ، هذا يوم نجى الله بني إسرائيل من عدوهم ، فصامه موسى ، قال : « فأنا أحق بموسى منكم » فصامه ، وأمر بصيامه ) خرّجه البخاري وغيره .

والمعنى : أنا أثبت وأقرب لمتابعة موسى منكم ، فإنا موافقون له في أصول الدين ، ومصدقون لكتابه ، وأنتم مخالفون لهما في التغيير والتحريف .

وأخبر r أنه وأمته أحق بموسى من اليهود ، فإذا صامه موسى شكراً لله ، كنا أحق أن نقتدي به من اليهود .

قال الدهلوي : ( وسر مشروعية صيام عاشوراء : أنه وقتٌ نَصَر الله تعالى فيه موسى عليه الصلاة والسلام على فرعون وقومه ، وشَكَر موسى بصوم ذلك اليوم ، وصار سنة بين أهل الكتاب والعرب ، فأقره رسول الله r ) ا.هـ

ومن الفوائد والعبر في قصة موسى مع فرعون : أن سنّة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام هي الشكر لله عند الرخاء وحصول النصر ، ذلك أن موسى عليه الصلاة والسلام صام هذا اليوم الذي أعز الله به الحق وخذل به الباطل ، شكراً لله ، وصامه نبينا محمد r وأمر بصيامه ، شكراً لله على انتصار الحق على الباطل على يد أخيه موسى عليه السلام .

وسنّة الأنبياء واحدة ، وهي جهاد الكفار وإعلاء كلمة الله في الأرض ، والنصر من الله نعمة تقابل بالشكر والطاعة على طريقة الأنبياء ، لا بالتفاخر والإعجاب وإحداث الأعياد البدعية التي تُسمّى باليوم الوطني أو عيد النصر ، ولا الهتاف بالشعارات الباطلة ، فهذا كله من سنة الجاهلية التي جاء الإسلام بالنهي عنها .

ومما أحدث فيه ، يعني هذا اليوم الذي نصر الله به الحق على يد موسى عليه السلام ، وما أحدثه الشيعة الرافضة فيه من جعله يوم حزن ومأتم ، حيث أن الحسين بن علي رضي الله عنه قُتِل فيه ، فأحدثوا فيه البدعة ، وفعل المحرمات من الندب والنياحة وضرب الأجسام بالسلاسل والسياط ، إظهاراً للجزع على قتل الحسين ، ويجعلون ذلك ذكرى تنكر كل عام ، وهذا حرام لا يجوز .

قال الشاعر :

يا من يروم الفضائل        في يوم عاشوراء استمع

فإنه في الحقيقة             يومٌ شريفٌ فصيل

فتب إلى الله واغنم          صيامه تلق المنى

"عون المعبود" (7/109) ، "بذل المجهود" (11/316) ، "حجة الله البالغة" للدهلوي (2/532)

"الروض الفائق" للحريفيش ص (223) ، "الخطب المنبرية" للفوزان (2/100-101)

"صيام عاشوراء" للرحيلي ص (49-50 ، 186)

وقال الآخر :

فاعمل لميزانك خيراً فعسى         يكون في يوم الحساب راجحا

وصم فهذا يوم عاشورا الذي        ما زال بالتقوى شذاه فائحا

يومٌ شريفٌ خصَّنا الله به           يا فوز من قدم فيه صالحا

"مرجع سابق" ص (186) .

فضل يوم عاشوراء :

يوم عاشوراء يوم مبارك ، جليل القدر ، له فضيلة عظيمة ، وحُرمة قديمة ، وصومه لفضله كان معروفاً بين الأنبياء عليهم السلام ، وكانت النصارى تعظمه ، وكانت قريش تكسوا فيه الكعبة .

ولفضل هذا اليوم ، فإن رسول الله r كان يطلب فضله على الأيام ، فعن ابن عباس قال : ( ما رأيت النبي r يتحرى صيام يوم فضّله على غيره إلا هذا اليوم ، يوم عاشوراء ، وهذا الشهر ، يعني : رمضان ) خرّجه البخاري وغيره ، وعن ابن عباس أيضا : ( أن النبي r لم يكن يتوخى فضل صوم يوم على يوم بعد رمضان إلا يوم عاشوراء ) خرّجه الطبراني في الأوسط وصحّحه الألباني .

ويؤخذ من مجموع الأحاديث السابقة : أن أفضل الصيام بعد رمضان هو صيام يوم عاشوراء ، وصيام يوم عاشوراء يكفّر السنة الماضية ، كما في حديث أبي قتادة : ( أن النبي r سُئِل عن صيام يوم عاشوراء ، فقال : « يكفِّر السنة الماضية » ) خرّجه مسلم .

والسنة الماضية آخرها شهر ذي الحجة .

وظاهر الأحاديث : أن صيام يوم عرفة أفضل من صيام يوم عاشوراء ، والحكمة في ذلك هو أن يوم عرفة يوم محمدي ، يعني أن صومه مختص بأمة محمد r ، وعاشوراء يوم موسوي ، ونبينا محمد r أفضل الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين ، فكان يومه بسنتين .

ومن فضائله : أنه يوم تاب الله فيه على قوم ، لحديث : أن النبي r قال لرجل : « إن كنت صائماً بعد شهر رمضان فصم المحرم ، فإنه شهر الله ، فيه يوم تاب فيه على قوم ، ويتوب فيه على قوم آخرين » خرّجه الترمذي وغيره وصححه ابن عبد البر وابن حزم .

"صحيح الترغيب والترهيب" للألباني (1/424) ، "مغني المحتاج" للشربيني (1/446)

"صيام عاشوراء" للرحيلي ص (58-63) .

صيام الأنبياء يوم عاشوراء :

كان الأنبياء وأقوامهم يصومون ، فنوح ومن جاء بعده من الرسل صلوات الله عليهم كانوا يصومون .

وكل ديانات التوحيد عرفت الصيام الذي كان مفروضاً عليهم ، وقد اختلفت سنن الأنبياء عليهم السلام في الصوم .

وفي حديث أبي هريرة : ( أن النبي r قال : « صوم يوم عاشوراء ، يوم كانت تصومه الأنبياء ، فصوموه أنتم » خرّجه ابن أبي شيبة وضعّفه البوصيري ، وقال الألباني : منكر . ا.هـ

وقد ذكر المفسّرون في قصة نوح عليه السلام ، ونجاته ومن معه : أن استقرار السفينة على جبل الجودي كان يوم عاشوراء ، فصامه نوح وأمر جميع من معه من الناس والوحش والطير والدواب وغيرها ، فصاموه شكراً لله تعالى .

وفي حديث أبي هريرة قال : ( مر النبي r بأناس من اليهود قد صاموا يوم عاشوراء ، فقال : « ما هذا من الصوم ؟ » قالوا : هذا اليوم الذي نجى الله موسى وبني إسرائيل من الغرق ، وغرق فيه فرعون ، وهذا يوم استوت فيه السفينة على الجودي ، فصامه نوح وموسى شكراً لله تعالى ، فقال النبي r : « أنا أحق بموسى وأحق بصوم هذا اليوم » فأمر أصحابه بالصوم ) خرّجه أحمد وغيره وجوّده الساعاتي وصححه الرفاعي وضعّفه ابن كثير والألباني .

وصيام الحيوانات والبهائم إنما هو إظهار الخضوع لله شكراً ، لما أولاهم من نعمة النجاة ، وقد شوهد في بعض الحيوانات المُعلّمة وغير المعلّمة ذلك ، وفي زماننا حصل أن كانت سمكة في حوض مع رفيقة لها ، فلما ماتت رفيقتها صامت عن الطعام ، وأن ثعباناً عظيماً في بعض حدائق الحيوانات قد أضرب عن تناول الطعام ، وكانوا يُغذونه بالحقن الصناعية ، فصيامها ليس بعيد.

وخلاصة الحدث : موسى عليه السلام لما انطلق بقومه بني إسرائيل سراً من أرض مصر قاصداً فلسطين ليلاً ، علم فرعون بذلك ، فخرج هو وجنوده بغياً وعدْواَ ، فما أن وصل موسى وقومه إلى ساحل البحر الأحمر على خليج السويس ، إلاّ وفرعون وجنوده قد أدركهم مع شروق الشمس ، فأيقن قوم موسى بالهلاك ، وقالوا : إنا لمدركون ، وعندئذ أوحى الله لموسى أن يضرب البحر بعصاه ، ففعل ، فانفلق بقدرة الله ، فسار موسى ومن معه على سطح البحر بعد أن أصبح يبساً ، ورأى فرعون طريقاً في البحر فاقتحم هو وجنوده هذا الطريق ، فانطبق الماء على فرعون وجنوده ، وأغرقهم جميعاً ، وأنجى الله موسى ومن معه من بني إسرائيل .

وقد كان هذا اليوم الذي وقعت فيه النجاة والغرق هو يوم عاشوراء ، فصام موسى وبنو إسرائيل ذلك اليوم شكراً لله تعالى .

وفي حديث ابن عباس : ( أن رسول الله r قدم المدينة ، فوجد اليهود صياماً يوم عاشوراء ، فقال لهم r : « ما هذا اليوم الذي تصومونه ؟ » فقالوا : هذا يوم عظيم ، أنجى الله فيه موسى وقومه وغرّق فرعون وقومه ، فصامه موسى شكراً ، فنحن نصومه . فقال r : « فنحن أحق وأولى بموسى منكم » فصامه رسول الله r وأمر بصيامه ) خرّجه مسلم .

وهكذا r قد صامه ، وقد ذكر العلماء : أنه كان للنبي r في صيام عاشوراء أربع حالات :

1- في مكة وقبل الهجرة إلى المدينة ، صامه r وحده ، ولم يأمر أحداً بصيامه .

2- في المدينة وبعد الهجرة ، وقبل فرضية رمضان أي في المحرم من السنة الثانية للهجرة ، صامه ، وأمر بصيامه .

3- بعد فرضية صيام رمضان صامه ، ولم يأمر بصيامه ، بل خيّر أصحابه بين الصوم والإفطار ، فكان بعض الصحابة لا يصومونه .

4- في السنة العاشرة من الهجرة ، وقبل وفاته r بعام ، صامه ودعا إلى إضافة اليوم التاسع ، وذلك مخالفة لليهود ، ومات r ولم يصم التاسع مع العاشر .

"من نفحات رمضان" أحمد عبد الغفور عطار ص (91)

"جريدة عكاظ" عدد (5523) الثلاثاء (13/9/1401هـ) ص (9) ، "إرواء الغليل" ( 4/112)

"تفسير القرطبي" (9/41) ، "الدر المنثور" للسيوطي (4/436) ، "تفسير ابن كثير" (4/257)

"تيسير العلي القدير" للرفاعي (2/445) ، "الضعيفة والموضوعة" للألباني (3/691)

"مجلة الأزهر" محرم (1358هـ) (10/502-503) لعبد الرحمن الجزيري

"النبوة والأنبياء" للصابوني ص (243) ، "اليهود في القرآن" لعفيف طباره ص (213-214)

"صيام عاشوراء" للرحيلي ص (64-76) .

صيام الصحابة والتابعين يوم عاشوراء :

في حديث جابر بن سمرة قال : ( كان رسول الله r يأمرنا بصيام عاشوراء ويحثنا عليه ويتعاهدنا عنده ، فلما فرض رمضان لم يأمرنا ولم ينهنا ولم يتعاهدنا عنده ) خرّجه مسلم .

وقد كان بعض الصحابة والتابعين يصومه ، وكان بعضهم يكره صومه .

واشتهر صيامه عن أبي بكر الصديق وعمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وعبد الرحمن بن عوف وابن عباس ومعاوية بن أبي سفيان ، ومن التابعين : ابن سيرين وأبو إسحاق السبيعي والزهري وسعيد بن جبير وطاووس ، وقد ترك بعض الصحابة صيام عاشوراء بعد فرض رمضان ، كابن مسعود وابن عمر وعائذ بن عمرو المزني ، وهو ثابت عن ابن مسعود في صحيح مسلم ، وعن ابن عمر في صحيح البخاري ، ومروي عن عائذ المزني عند الطبراني في الكبير .

"تهذيب الآثار" للطبري (1/388) "مسند عمر" ، "التبصرة" لابن الجوزي (2/8)

"لطائف المعارف" ص (48) ، "صيام عاشوراء" للرحيلي ص (77-83) .

صيام الصبيان يوم عاشوراء :

كان الصبيان يصومون يوم عاشوراء على عهد الرسول r ، وفي حديث الرُّبيّع بنت مُعوِّذ قالت : ( أرسل النبي r غداة عاشوراء إلى قرى الأنصار ... « من أصبح مفطراً فليتم بقية يومه ، ومن أصبح صائماً فليصم » قالت : فكنا نصومه بعد ، ونصوّم صبياننا الصغار ونجعل لهم اللعبة من العِهن ، فإذا بكى أحدهم على الطعام أعطيناه ذاك حتى يكون عند الإفطار ) خرّجه البخاري وغيره .

وفي رواية لمسلم : ( ونصنع لهم اللعبة من العِهن ، فنذهب به معنا ، فإذا سألونا الطعام أعطيناهم اللعبة تلهيهم حتى يتموا صومهم ) وعند مسلم ( ونذهب إلى المسجد ) وعند الطبراني في "الكبير" ( ونذهب بهن إلى البستان ) وفي الحديث : أنهم كانوا يمنعون صبيانهم الطعام ، ويصوّمونهم يوم عاشوراء ، وهذا شعار الصالحين ومن سلف من المسلمين ، يعودون صبيانهم الصوم والصلاة والخير ، حتى يتعوّدوا ذلك ، كما ذكره البيهقي وغيره قال ابن مسعود : ( حافظوا على أبنائكم في الصلاة ، وعوّدوهم الخير ، فإن الخير عادة ) خرّجه الطبراني في "الكبير" وفيه ضعف ، وفي الباب حديث رَزِينة – بفتح الراء وكسر الزاي – ( أن النبي r كان يعظم عاشوراء ، ويدعوا برضعائه ورضعاء فاطمة ، فيتفل في أفواههم ، ويأمُر أمهاتهن ألاّ يرضعن إلى الليل )  خرّجه ابن خزيمة ، ولفظ الطبراني في "الأوسط" : ( فكان ريقه يجزئهم ) والحديث توقف في صحته ابن خزيمة ] وقال الحافظ ابن حجر : إسناده لا بأس به ا.هـ

وأحاديث الباب تدل على مشروعية تمرين الصبيان على الصيام ، وتعويدهم العبادات ، ومما يقوي ذلك : أن الصحابي إذا قال : فعلنا كذا في عهده r ، كان حكمه الرفع ، لأن الظاهر اطلاعه r على ذلك ، فما فعلوه إلا بتوقيف ، وهذا هو الصحيح عند أهل الحديث وأهل الأصول .

وقد كان الصبيان يصومون رمضان في عهد عمر ، وقد أتي عمر بن الخطاب برجل شرب الخمر في رمضان ، فقال له : (ويلك ، وصبياننا صيام والمعنى : كيف تفطر وصبياننا صيام – ثم أمر به فضُرِب ثمانين سوطاً ، ثم سيّره إلى الشام ، وكان إذا غضب على إنسان سيّره إلى الشام ) رواه البخاري في صحيحه معلقاً مجزوماً به مختصراً .

والقول بمشروعية تدريب الصبيان على العبادات ومنها الصوم ، قول قوي ، كيف لا ؟ وقد أثبت صاحب الشرع r لصبي رُفع إليه من محفّة حجاً ، وجعل فيه لمن حج به أجراً ، وأمر بأن يُؤمر الصبي بالصلاة ابن سبع ، ويُضرب عليها ابن عشر ، وذلك كله قبل جريان القلم عليه بأعوام .

وهذا مذهب أكثر العلماء ، وبه قال البيهقي والنووي وابن حجر ، وفيه ردٌ على من كره ذلك أو حرّمه كالمالكية ، أو من قال به – يعني التحريم أو الكراهية – كالطحاوي والقرطبي وغيرهم .

ويحسن هنا نقل كلام الدكتور : محمد محفوظ ، قال :

أثبت الطب أن صيام الأطفال دون البلوغ ضارٌ بهم ، فإن أجسامهم الناشئة في حاجة إلى التغذية المستمرة حتى تستطيع أن تنموا وترعرع ، وإن لم تُتعهّد بالغذاء والتغذية وقف نموها أو تعطل ، وفي هذا من غير شك إضرار بالصحة الجسمانية والعقلية للطفل ، ومن أجل ذلك فإني أنصح الآباء والأمهات ألاّ يشجّعوا أطفالهم على الصيام ، فإذا رأوا أجسامهم قد نمت وترعرعت ، فلا بأس عليهم أن يشجعوهم على الصيام تدريباً ، حتى ينشئوا على حب الدين ، ولا يستحسن في التربية الخُلُقية إكراه الصبي على فعل أمر ديني يشق عليهم ، لأن ذلك يُبغّضهم في العبادة ، ويعمي قلوبهم ، ويضعف عزائمهم ، وأما تمرينهم عليها باللطف واللين وحسن التأني ، فمطلوب ومحبوب ، فإنّ اعتياد الشيء يُذلّلُ صعبه ، ويُرقّقُ قسوته ، ويمهّدُ سبيله . ا.هـ

قلت : هذا الكلام محمول على من يُعوّد على صيام الشهر كاملاً ، فأما اليوم واليومين أو أكثر من ذلك لكنها متفرّقة فلا يظهر ضررٌ في ذلك . والله أعلم ]

"معرفة السنن والآثار" للبيهقي (6/359) ، "فتح الباري" لابن حجر (4/200-202)

"عمدة القاري" للعيني (11/69-70) ، "شرح معاني الآثار" للطحاوي (2/74)

"قرة العين في رمضان والعيدين" لعلي الجندي (1/167-169)

"صيام عاشوراء" للرحيلي ص (105-109) .

صيام قريش يوم عاشوراء :

ذهب بعض المؤرخين من المسلمين وغيرهم إلى أن صيام رمضان كان منتشراً عند بعض قبائل العرب في الجاهلية ولا سيما قريش ، ويؤيد هذا أن النبي r كان قبل بعثته يقضي في غار حراء شهر رمضان من كل عام متحنّثاً صائماً .

قال ابن القيم : وكان صيام عاشوراء من شعائر قريش الدينية في الجاهلية ، ولا ريب أن قريشاً كانت تعظِّم هذا اليوم ، وكانوا يكسون الكعبة فيه ، وصومه من تمام تعظيمه ... ا.هـ

وفيه حديث عائشة قالت : ( كان يوم عاشوراء يوماً تصومه قريش في الجاهلية ، وكان رسول الله r يصومه في الجاهلية ) خرّجه البخاري ومسلم .

[ وبه قال ابن مسعود وابن عمر وجابر بن سمرة وأبو ذر وقيس بن سعد وغيرهم ، قال دلهم بن صالح : ( قُلتُ لعكرمة : عاشوراء ما أمره ؟ قال : أذنَبتْ قريش في الجاهلية ذنباً ، فتعاظم في صدورهم ، فسألوا ما توبتهم ؟ قيل : صوم عاشوراء ، يوم العاشر من المحرم ) ذكره ابن رجب وابن حجر .

وفي بعض الأخبار : ( أنه كان أصابهم قحط ، ثم رُفع عنهم ، فصاموه شكراً ) ذكره القسطلاني وغيره . وقيل : ( يحتمل أنهم اقتدوا بصيامه بشرع سالف ) ذكره البنا الساعاتي وغيره ، أو لعلهم يستندون في صومه إلى أنه من شريعة إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام ، فإنهم كانوا ينتسبون إليها في كثير من أحكام الحج وغيره ؛ ذكره الحافظ ابن حجر وغيره ؛ أو يقال : كانت قريش تصومه تعظيماً له ، لأنه يأتي في شهر حرام بعد الحج ؛ ذكره ابن عبد البر وغيره ؛ أو يقال : لعل الله أنعم عليهم مثلما أنعم على بني إسرائيل من إنجاء كبيرهم من شدة ، أو الإنعام عليهم بنعمة ،ذكره الكاندهلوي وغيره .

ويجوز أن يكون ذلك عند قريش من قبيل العادات أو العبادات التي يُعرف أصلها أو لا يُعرف ، وهذا يحدث كثيراً ، ومن المعلوم أن قريشاً لم تكن على اليهودية . ذكره أحمد الشناوي وغيره . ]

"زاد المعاد" لابن القيم (2/70) ، "لطائف المعارف" لابن رجب ص (45) ، "فتح الباري" (4/246-248)

"إرشاد الساري" للقسطلاني (6/174) ، "صحيح مسلم بشرح النووي" (8/9) ،

"بلوغ الأماني" للبنا (10/177 ، 184) ، "التمهيد" لابن عبد البر (7/205)

"الكوكب الدري على الترمذي" الكاندهلوي (2/58-59)

"دائرة المعارف الإسلامية" الشناوي وزميلاه (14/397) ، "فلسفة الصيام" لأحمد غنيم ص (85)

"غرائب النظم والتقاليد والعادات" لعلي عبد الواحد ص (73) ، "صيام عاشوراء" للرحيلي ص (84-88) .

صيام أهل الجاهلية يوم عاشوراء :

ثبت أن أهل الجاهلية كانوا يعرفون صوم يوم مشهور ، ألا وهو يوم عاشوراء .

وفي حديث ابن عمر : ( أن النبي r قال يوم عاشوراء : « إن هذا يوم كان يصومه أهل الجاهلية ، فمن أحب أن يصومه فليصمه ، ومن أحب أن يتركه فليتركه » ) خرّجه مسلم وغيره .

ولكن لا يُعرف أسلوب صومهم ، ولماذا صاموه ؟ وهل صاموه من الفجر إلى غروب الشمس ، أم من الغروب إلى الغروب ؟

ومما يحسن ذكره : أن أهل الجاهلية كانوا يغتسلون من الجنابة ، وكانوا يداومون المضمضة والاستنشاق وقصّ الشارب والسواك والاستنجاء وتقليم الأظفار ، وكانوا يغسّلون موتاهم ويكفنونهم ويصلون عليهم ، وكانوا يقطعون يد السارق اليمنى إذا سرق ، وكانوا يطوفون ويسعون ويعتمرون ويحجون ويقفون بعرفة ويرمون الجمرات ، وكانوا يصومون ، وكان صومهم من الفجر إلى غروب الشمس . ذكره الآلوسي وغيره .

وذكر جماعة من الباحثين : أن الظاهر من روايات أهل الأخبار : أن صومهم في الجاهلية صوم امتناع عن الأكل والشرب وإتيان النساء ، وهو صوم الإسلام ، وصوم امتناع عن الأكل وحبس اللسان ، إما لأمد معين قصير ، مثل يوم أو أسبوع ، وإما لأمد طويل . والله أعلم .

"بلوغ الأرب في معرفة أحوال العرب" للألوسي (2/287-288) و (3/77)

"المفصل في تاريخ العرب" لجواد علي (6/342) ، "صيام عاشوراء" للرحيلي ص (89-91) .

صيام اليهود يوم عاشوراء :

كانت اليهود تصوم يوم عاشوراء ، لأن الله سبحانه وتعالى قد أنجى فيه نبيهم موسى عليه السلام من بطش فرعون وقومه ، فصامته اليهود ، شكراً لله على هذا الإنجاء .

وكانوا في تعظيمهم إياه على أحوال ، فمنهم من كان يعظمه فيصومه ، كما في حديث ابن عباس قال : ( قدم رسول الله r المدينة ، فوجد اليهود يصومون يوم عاشوراء ، فسُئِلوا عن ذلك ؟ فقالوا : هذا اليوم الذي أظهر الله فيه موسى وبني إسرائيل على فرعون ، فنحن نصومه تعظيماً له ، فقال r : « نحن أولى بموسى منكم » فأمر بصومه ) خرجه مسلم.

ومنهم من كان يعظمه فيجعله عيداً ، ويُلبسون نسائهم الحلي والإشارات ، وهي الهيئات الحسنة ، كما في حديث أبي موسى قال : ( كان أهل خيبر – وكانوا يهوداً – يصومون يوم عاشوراء ، يتخذونه عيداً ، ويُلبسون نسائهم فيه حليهم وشارتهم ، فقال رسول الله r : « فصوموه أنتم » ) خرّجه مسلم .

ومنهم من كان يعظمه بالجمع بين الصوم شكراً ، وبالزينة إظهاراً لشعائر الأعياد ،والنبي r إنما قدم المدينة في ربيع الأول ، فأقام إلى يوم عاشوراء من السنة المقبلة ، فوجد اليهود فيه صياماً ، ويُحتمل أن يكون أولئك اليهود يحسبون يوم عاشوراء بحساب السنين الشمسية ، فصادف يوم عاشوراء بحسابهم اليوم الذي قدم فيه r المدينة ) ذكره ابن حجر .

قال جماعة من الباحثين : اليهود لم يكونوا يصومون عاشوراء العاشر من المحرم العربي ، وإنما كانوا يصومون العاشر من شهر تشرين العبري ، ويُسمّون هذا اليوم ( يوم كِبور ) أي : يوم الكفارة ، ويُسمون صومه ( صوم كِتّبور ) أي صوم الكفارة ، ويسمونه ( هاكِريم ) يعني يوم الغفران ، ويسمونه ( عيد صوماريا) ويسمونه (عاشوراء) لأنه يقع في اليوم العاشر من شهرهم السابع من سنتهم الدينية ، أي الشهر الأول.

من سنتهم المدنية ، هذا ولم يرد صيام هذا اليوم صراحة في أسفار اليهود المقدسة ، وإنما أشير إليه بعبارة (تذليل النفس) وقد فسره رجال الدين عندهم بأنه الصيام ، وقد كان القصد التذلل لإلههم والابتهال إليه ، كما في سفر اللاويين أو سفر الأحبار – وهي أحد الأسفار الخمسة التي يزعمون أنها التوراة – في الفقرة التاسعة والعشرين وما بعدها من إصحاحه السادس عشر . وهذا الصوم الذي يصومه اليهود عندهم هو الصوم العظيم من لم يصمه قُتِل عندهم ، وعدته خمش وعشرون ساعة ، يبدأ قبل غروب الشمس في اليوم التاسع من شهر تشرين بنصف ساعة ، وينتهي بعد غروب الشمس في اليوم العاشر ، ويُشترط فيه رؤية ثلاثة كواكب عند الإفطار .

ولا يجوز وقوع هذا الصوم في يوم الجمعة ولا السبت ولا الأحد ولا الثلاثاء ، فإذا وقع ذلك استبدلوه بالاثنين أو الأربعاء أو الخميس ، ويزعمون أن الله تعالى يغفر لهم فيه جميع ذنوبهم إلا الزنا بالمحصنة وظلم الرجل أخاه ، وجحد ربوبية الله تعالى .

هذا اليوم عند اليهود يُقضى نهاره كله في الكنيس ، يصلون ويعترفون بذنوبهم ، ويستغفرون لها – هي وذنوب بني دينهم – هذا اليوم عند اليهود لا يجوز الأكل والشرب فيه ولا القيام بعمل ولا الاستحمام ولا لبس النعال ولا قرب النساء .

واليهود لا يصومون هذا اليوم تخليداً لذكرى اليوم الذي نجى الله فيه موسى وبني إسرائيل من فرعون وكيده ، ويسّر لهم الهجرة من مصر ، وإنما يصومونه للاستغفار وطلب التكفير عما اقترفوه من آثام في أثناء العام ، ولذلك فهم يسمونه (يوم كبور صوم كبور) يعني الكفارة وصوم الكفارة ، و ويسمونه( هكريم يعني يوم الغفران ) وفي سِفر الخروج الفِقرة الخامسة عشرة من أصحاحه الثالث والعشرين ، وكذا في الفقرة الثامنة من أصحاحه الرابع والثلاثين تسمية هذا اليوم بـ ( أبيب ) وسماه اليهود ( نيسان ) بعد سبيهم إلى بابل ، وفيها أمر بالاحتفال بهذا اليوم وسمته ( عيد الفطير ) وصارت تسّتمر احتفالاتهم بذلك لمدة سبعة أيام ، وكانوا طوال السبعة الأيام يأكلون فطيراً بدل الخبز المخمّر ،وأحسن ما قيل في يوم الصيام عند اليهود أنه العاشر من المحرم ، وأن النبي r لما وصل المدينة ، لم يجد اليهود يصومون ، وإنما مكث حتى عاشوراء من السنة الثانية من الهجرة ، فوجدهم يصومون ، فسألهم عن سبب صيامهم ، فأخبروه : بأن هذا اليوم حدثت فيه نجاة موسى من فرعون ، فصامه موسى عليه شكراً ، فهم يصومونه كذلك اقتداء بنبيهم ، فصامه الرسول r وأمر أصحابه بصومه .

وخاتمة القول في هذا الباب :  أن اليهود في الوقت الحاضر لا يصومون عاشوراء ، العاشر من المحرم ، وإنما يصومون عاشوراء ، العاشر من شهر تشرين العبري ، يخالفون في ذلك سلفهم .

والسبب في ذلك أنهم بدلوا أيام صيامهم ، وزادوا ونقصوا وخالفوا تقاويمهم .

والتوراة التي بأيدي الناس اليوم ، كُتبت باعتراف الباحثين الكبار من اليهود والنصارى بعد موسى عليه السلام بثمانمائة سنة فالتوراة والإنجيل هذان ليسا ما نزل من الله ، وكلاهما محرّف باعترافهم وما دامت كتبهم المقدسة ودينُهم قد تغيّر ، فطبيعي أن كلّ عباداتهم وفرائضهم الصحيحة قد تحرّفت وتغيّرت ، وصارت شركية وثنية ، والله أعلم .

"المنتخب من السنة" (5/259) ، "فتح الباري" (4/247)

"بحوث في الإسلام والاجتماع" لعلي عبد الواحد (1/147) ، "قصة الحضارة" لول ديورانت (3/4/27)

"نهاية الأرب" للنويري ، السفر الأول ص (195) ، "من نفحات رمضان" لأحمد عطار ص (83 ، 84)

"صبح الأعشى" للقلقشندي (2/436)

"مجلة منبر الإسلام" عدد 4 سنة ربيع الآخر (1385هـ) ص (59-62)

"الفكر الديني اليهودي" لحسن ظاظا ص (169)

"عاشوراء في الإسلام بين الحقائق والأوهام" لأحمد غنيم ص (22 ، 25)

"المجتمع اليهودي" لزكي شنوده ص (268) ، "مرقاة المفاتيح" للقاري (4/303) .

تتمة : ومن الأشياء الهامة التي تجب الإشارة إليها هنا : أن اليهود على طول تعرضهم للاضطهاد من الأمم التي عاشوا بين ظهرانيها ، قد جعلوا من يوم الغفران أو التكفير هذا يوماً يُعلنون فيه نقضهم للعهود والمواثيق التي قطعوها لغير اليهود ، وأفتى فقهاؤهم بأن الداعي إلى ذلك كان إكراه اليهود على تغيير دينهم ، وشاع بين اليهود أن يوم الغفران هذا يجوز فيه أكل الديون التي على اليهودي ، وعدم أدائها ، كما يجوز فيه الرجوع في كل وعدٍ أو تعهّدٍ قطعه على نفسه طول السنة .

مرجع سابق

هل يوم الزينة هو يوم عاشوراء :

أخبرنا الله تعالى بأنه قد بصّر فرعون ، وعرّفه بالآيات الدالة على قدرته ، وبالمعجزات الدالة على نبوة موسى عليه السلام ، من العصا واليد والقحط ونقص الثمرات والطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم وطمس الأموال والشد على القلوب ، ولكنه كذّب بها واستكبر ، وزعم أنها سحرٌ من صنع موسى ، وأنه سيعارضه بسحر مثله ، ليظهر للناس أن موسى ساحر وليس برسول .

وطلب فرعون من موسى أن يواعده إلى وقت معلوم ومكان معلوم ، فقال لهم موسى : موعدنا يوم الزينة ، وبعدها أخذ فرعون يُعدّ العدة لذلك اليوم المشهور ، ويجمع سحرة بلاده ، ثم أتى الموعد ومعه السحرة ، فطلب منهم موسى أن يلقوا ما معهم ، فألقوا حبالهم وعصيّهم ، فظن موسى أنها حيّات تتحرك، ففزع منها ، فأمره الله أن يُلقي عصاه ، فإذا هي تبتلع كل ما قذف به السحرة .

حينئذ خرّ السحرة سجداً لله رب العالمين .

ولقد أشار الله إلى ذلك بقوله :{وَلَقَدْ أَرَيْنَاهُ آيَاتِنَا كُلَّهَا فَكَذَّبَ وَأَبَى* قَالَ أَجِئْتَنَا لِتُخْرِجَنَا مِنْ أَرْضِنَا بِسِحْرِكَ يَا مُوسَى* فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِّثْلِهِ فَاجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِداً لَّا نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلَا أَنتَ مَكَاناً سُوًى* قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَن يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى} طه: 56-59 هذا اليوم الذي وقعت فيه هذه الحادثة ، هو يوم الزينة ، ولم يحدّده القرآن ، ولذا تعدّدت أقوال المفسرين في هذا اليوم . قال ابن عبّاس وابن عمر : (هو يوم عاشورا) ، وقال عمر بن الخطاب : ( إن الله تبارك وتعالى لا يسألكم يوم القيامة إلا عن صيام رمضان وصيام يوم الزينة ، يعني : يوم عاشوراء ) خرّجه ابن مردويه .

قال ابن رجب : ( وقد روي أن يوم عاشوراء كان يوم الزينة الذي كان فيه ميعاد موسى لفرعون ، وأنه كان عيداً لهم ، ويُروى أن موسى عليه السلام كان يلبس فيه الكتان ويكتحل فيه بالإثمد ، وكان اليهود من أهل المدينة وخيبر في عهد رسول الله r يتخذونه عيداً ) ا.هـ

وقال مجاهد : ( هو يوم عيد كان لهم يتزينون ويجتمعون فيه ) واختار أبو حيان ( أنه كان عيداً لهم ويوماً مشهوداً ، وصادف يوم عاشوراء ، وكان يوم السبت ) ا.هـ والله أعلم .

"قصص الأنبياء" لابن كثير (2/42-43) ، "صفوة التفاسير" للصابوني (2/238)

"البحر المحيط" لأبي حيان (6/250) ، "كنز العمال" للبرهان فوري (8/655)

"لطائف المعارف" لابن رجب ص (51) ، "صيام عاشورا"للرحيلي ص (134-135)

صيام الوحش والطير يوم عاشوراء :

من عجيب ما ورد في عاشوراء : أنه كان يصومه الوحش والطير والهوام ، وقد مرّ معنا أن نوحاً عليه السلام أمر حتى الوحش والطير والدواب أن تصوم شكراً لله تعالى ، كما ذكره القرطبي وغيره .

ولا مانع من ذلك ، وقد يكون بطريق الإلهام معجزة لنوح عليه السلام .

وكانت الوحش تصوم يوم عاشوراء على عهد داود عليه السلام ، وعن قيس بن عباد قال : ( كانت الوحش تصوم يوم عاشوراء ) خرّجه أبو نُعيم في الحلية .

وقد رُوي من حديث أبي هريرة ، أن النبي r قال : « الصُّرد أول طائر صام عاشوراء » خرّجه الخطيب في تاريخه ، وهو حديث موضوع لا يثبت

وعن فتح بن شخرف – رجل صالح زاهد ، حسن العبادة ت 273هـ - قال : ( كُنت أفتُ للنمل الخبز كل يوم ، فلما كان يوم عاشوراء لم يأكلوه إلا بعد الغروب) ذكره الذهبي في السير .

وروي عن القادر بالله الخليفة العباسي : ( أنه جرى له مثل ذلك ، وأنه عجب منه ، فسأل أبا الحسن القزويني الزاهد ، فذكر له : أن يوم عاشوراء تصومه النمل ) ذكره ابن رجب والهيثمي .

وروى أبو موسى المديني بإسناده : ( عن رجل أتى البادية يوم عاشوراء ، فرأى قوماً يذبحون ذبائح ، فسألهم عن ذلك ، فأخبروه أن الوحوش صائمة ، وقالوا : اذهب معنا نرك ، فذهبوا به إلى روضة فأوقفوه ، فلما كان بعد العصر ، جاءت الوحوش من كل وجه ، فأحاطت بالروضة رافعة رؤوسها إلى السماء ليس شيء منها يأكل ، حتى إذا غابت الشمس أسرعت جميعاً فأكلت ) ذكره ابن رجب والهيثمي .

قال العيني : ( صوم الطائر ليس صياماً شرعياً ، حتى ينسب قائله إلى قلة الفهم ، وإنما الغرض أن الطائر يُمسك عن الأكل يوم عاشوراء تعظيماً له ، وذلك بإلهام من الله تعالى .. ا.هـ

"لطائف المعارف" لابن رجب ص (50-51) ، "سير أعلام النبلاء" للذهبي (12/384-388)

"عمدة القاري" للعيني (11/118) ، "إتحاف أهل الإسلام بخصوصيات الصيام" للهيثمي ص (285-286)

"حلية الأولياء" للأصفهاني (9/41) ، "تفسير القرطبي" (9/41) ، "تفسير السيوطي" (4/436)

"صيام عاشوراء" للرحيلي ص (66 ، 110-111) .

كسوة الكعبة في عاشوراء :

كانت قريش تعظم يوم عاشوراء ، وكان من مظاهر تعظيمها له : أن اتخذت منه يوماً تكسوا فيه الكعبة ؛ وعن خارجة بن زيد عن أبيه قال : ( ليس يوم عاشوراء باليوم الذي يقول الناس ، إنما كان يوماً تستر فيه الكعبة ...) خرّجه الطبراني في "الكبير" وحسّنه ابن حجر .

وعن ابن جريج : ( أن الكعبة فيما مضى إنما كانت تكسى يوم عاشوراء ، إذا ذهب آخر الحاج حتى كان بنو هاشم ، فكانوا يُعلقون القميص يوم التروية من الديباج ، لأن يرى الناس ذلك عليها بهاءً وجمالاً ، فإذا كان يوم عاشوراء علّقوا عليها الإزار ) رواه الأزرقي في أخبار مكة .

ولما كان معاوية بن أبي سفيان كساها كسوتين : كسوة عمر القباطي ، وكسوة ديباج ، وكانت تُكسى الديباج يوم عاشوراء ، وتكسى القباطي آخر شهر رمضان.

ولما كان يزيد بن معاوية كساها بالكسوة كل سنة ، وكانت تكسى يوم عاشوراء .

وبعد ذلك صارت تكسى يوم التروية وهو اليوم الثامن من ذي الحجة ، وفي غرة رجب ، وفي السابع والعشرين من شهر رمضان المبارك ، وفي العصر السعودي تكسى في اليوم العاشر من ذي الحجة .

"أخبار مكة" للأزرقي (1/252 ، 254) ، "صبح الأعشى" للقلقشندي (4/278-279)

"فتح الباري" (4/248) و (7/276) ، "الكعبة والكسوة" لأحمد عطار ص (180-189) .

مأتم عاشوراء :

لقد استمر المسلمون في صيام هذا اليوم ، حتى كان عهد يزيد بن معاوية بن أبي سفيان ، واستشهاد الحسين بن علي في موقعة كربلاء في اليوم العاشر من المحرم سنة 61هـ

فتركت هذه المأساة في نفوس المسلمين آثاراً مختلفة ، والشيعة من أنصار علي بن أبي طالب وأولاده : اتخذوا من هذا اليوم مأتماً يبكون فيه الحسين ، ويُظهِرون أشد مظاهر الحزن لقتله .

ويُنشد النساء من أهل البيت الشعر نادبات باكيات ، من ذلك قول ابنة عقيل بن أبي طالب :

ماذا تقولون إن قال النبي لكم       ماذا فعلتم وأنتم آخر الأمم

بعترتي وبأهلي عند مفتقدي                نصفٌ أسارى ونصف ضرجوا بدمِ

ما كان هذا جزائي إذ نصحت لكم          أن تخلفوني بسوء في ذوي رحمي

[ ورثاه البوصيري يعني الحسين ، ومن استشهد معه :

فابكهم ما استطعت إنَّ قليلاً         في عظيم من المصاب البكاءُ

كلُ يوم وكلُ أرض لكربي          منهم كربلا وعاشوراءُ

آلُ بيتِ النبي إنّ فؤادي            ليس تسليه عنكم التاساءُ

واتخذ الشيعة في العراق وفارس ومصر وغيرها يوم عاشوراء مأتماً يلبسون فيه أثواب الحداد ، ويبالغون في الحزن لقتله من النوح والبكاء واللطم وتعليق المسوح وغلق الأسواق ، ويسيرون في الشوارع والدروب والحارات ، فيكسرون أواني الشرب ويمزقون قرب السقائين ، ويمنعون الناس من الإنفاق في غير وسائل الحزن ، ويسبُّون قتلة الحسين ، ويُلبس فيه السواد .

وفي عهد الأمويين والعباسيين والفاطميين كان عاشوراء يوم حزن وبكاء .

وفي عهد الأيوبيين اتخذوه من أيام الفرح والسرور والابتهاج والحبور ، فكانوا يتبسطون في اصطناع ألوان المطاعم اللذيذة ، ويلبسون الثياب الفاخرة ، ويخضبون أيديهم وأرجلهم بالحناء .

وفي عهد البويهيين جُعل يوم عاشوراء من أحفل أيام الأسى والنواح

وكانت الدولة الفاطمية هي التي أحدثت مأتم عاشوراء ، وقد أقيم أول مأتم على الحسين في عاشوراء سنة 352هـ في بغداد ، حيث ألزم معز الدولة ابن بويه الناس على ذلك .

وكانت هذه العادة تقام كل سنة في يوم عاشوراء ، باستثناء بعض السنوات التي أُبطلت فيها كما في سنة 363هـ أُبطل في بغداد ما كانت تجري عليه العادة ، بسبب حروب الروم ، على يد الحاجب سبكتكين وزير الخليفة المطيع العباسي ، وقد كان من أهل السنة .

وفي سنة 382هـ كان أبو الحسن بن المعلم الكوكبي ، وكان من أهل السنة ، قد استولى على أمور السلطان بهاء الدولة بن بويه الديلمي كلها ، فمنع الرافضة من عمل المأتم يوم عاشوراء .

وفي سنة 393هـ منع عميد الجيوش الحسين بن أبي جعفر يوم عاشوراء من النوح .

وفي سنة 406هـ منع فخر الملك محمد بن علي بن خلف أهل الكرخ بغداد  من النوح يوم عاشوراء وكان يحدث في هذا اليوم فتنة بين السنة والشيعة ، فيقع بينهم القتل والنهب والتخريب .

ومن بغداد انتشرت هذه العادة القبيحة إلى مصر وإيران والهند وزنجبار وغيرها .

وقد أقيم أول مأتم في مصر في عاشوراء سنة 366هـ

واليوم تحتفل الشيعة الرافضة في العراق وإيران بإحياء هذه الذكرى التي تصحبها بعض المراسم والطقوس والتمثيليات التي تعبر بها الشيعة الرافضة عن مبلغ حزنها العميق لما أصاب الحسن وأنصاره يوم كربلاء ، وتقام في مدن العراق وإيران حلقات الرثاء في المساجد والطرقات والمنازل ، يستمع فيها الناس إلى متكلم بليغ يقص مأساة الحسين ، وينشد المراثي بصوتٍ مؤثر حزين ، وفي كل وقفة من وقفات رثائه ينهال المستمعون على صدورهم وظهورهم ضرباً مبرحاً بقبضات الأيدي وقطع الحديد والحجارة والسلاسل .

وهذه لا شك عبادات أو عادات لايستسيغها عقل ، ولا يقرها شرع ، بل هي مخالفة لروح الإسلام وتعاليمه ، وليس في الكتاب والسنة ما يدل على اتخاذ مصائب الأنبياء وموتاهم مأتم ، ولم ينقل ذلك الصحابة ولا التابعون .

"النجوم الزاهرة" لابن تغري (3/334) و (4/126) ، "حوليات الإسلام" لأحمد عطية الله (1/419)

"الآثار الباقية" للبيروتي ص (329) ، "تاريخ الدولة الفاطمية" لحسن إبراهيم ص (654)

"الحسين عليه السلام" للحسيني (2/241) ، "صيام عاشوراء" للرحيلي ص (138-147 ، 155-160) .

التوسعة على الأهل والعيال يوم عاشوراء :

المراد بالتوسعة هنا هي التبسّط في المأكل والمشرب ، وزيادة النفقة على الأهل والعيال من زوجة أو ولد ، أو من يعول الرجل ويتكفل به .

وفيه حديث : « من وسع على أهله يوم عاشوراء ، وسّع الله على أهله » وفي رواية «عليه سائر سنته » خرّجه البيهقي من حديث جابر بن عبد الله والطبراني في "الكبير" من حديث ابن مسعود وابن عدي في "الكامل" من حديث أبي هريرة والطبراني في "الأوسط"  من حديث أبي سعيد الخدري ، والدارقطني في "الأفراد" من حديث ابن عمر ، وأبو نعيم الأصبهاني في ذكر "أخبار أصبهان" مرسلاً من حديث إبراهيم بن محمد بن المنتشر ، وجاء موقوفاً عن عمر بن الخطاب عند ابن عبد البر في "الاستذكار" .

وورد عنه أنه قال : ( أكثروا خير بيوتكم في ليلة عاشوراء ويومه ، ووسّعوا فيه على أهاليكم فيما يحل ، فمن لم يجد فليوسّع خُلُقه مع قرابته ، وليعف عمن ظلمه )

وقد ذهب جماعة من أهل العلم إلى استحباب التوسعة على الأهل والعيال ، ويعم بالصدقة والنفقة : الأقارب واليتامى والمساكين ، لهذا الحديث وقد قواه البيهقي والمنذري والشوكاني ، وحسنه ابن حجر والهيثمي والسيوطي ، ونظم بعضهم في ذلك فقال :

لا تنسَ ولا ينسك الرحمن عاشورا         واذكره لا زلت في الأخبار مذكورا

قال الرسول صلاة الله تشمله              قولاً وجدنا عليه الحق والنورا

من بات في ليل عاشوراء ذا سعةٍ          بكى بعيشته في الحول محبورا

فارغب فديتك فيما فيه رغّبنا              خير الورى كلهم حياً ومقبورا

وذهب آخرون إلى عدم استحباب ذلك ، وعدّها ابن تيمية من البدع المنكرة التي لهم يسنها رسول الله r ولا خلفائه الراشدون ، ولا استحبها أحد من أئمة المسلمين ، ولا روى أهل الكتب المعتمدة في ذلك شيئا ، لا عن النبي r ، ولا عن الصحابة والتابعين ، لا صحيحاً ولا ضعيفاً ، لا في كتب الصحيح ، ولا في السنن ولا المسانيد ، ولا يُعرف شيء من هذه الأحاديث على عهد القرون الفاضلة ا.هـ

وقال ابن تيمية أيضا : وأما قول ابن عيينة عن حديث التوسعة على الأهل في عاشوراء ( وأنا جربناه منذ خمسين أو ستين سنة ، فما رأينا إلا خيراً ) فإنه لا حجة فيه ، فإن الله سبحانه أنعم عليه برزقه ، وليس في إنعام الله بذلك ما يدل على أن سبب ذلك التوسيع يوم عاشوراء ، وقد وسّع الله على من هم أفضل الخلق من المهاجرين والأنصار ، ولم يكونوا يقصدون أن يوسعوا على أهليهم يوم عاشوراء بخصوصه ا.هـ

وأكثر العلماء على أن حديث التوسعة ضعيف لا يصح ، وبه قال أحمد بن حنبل والدارقطني والعقيلي والزركشي وابن الجوزي وابن القيم وابن تيمية والألباني .

"فتح العلام" للجرداني (3/416) ، "التاج الجامع الأصول" لمنصور علي ناصف (2/91)

"الموضوعات" لابن الجوزي (2/203) ، "مجموع فتاوى ابن تيمية" (25/299-300 ، 312-313)

"تمام المنة" للألباني ص (410-412) ، "صيام عاشوراء" للرحيلي ص (114-133) .

الاكتحال يوم عاشوراء :

ورد فيه حديث ابن عباس مرفوعاً : « من اكتحل بالإثمد يوم عاشوراء ، لم يرمد أبداً » خرّجه الحاكم والبيهقي وغيرهما ، وخرّجه ابن النجار في تاريخه من حديث أبي هريرة مرفوعاً : « من اكتحل يوم عاشوراء بإثمد فيه مسك ، عوفي من الرمد » .

وفي بعض كتب المغازي : ( أن سفينة نوح عليه السلام استوت على الجودي يوم عاشوراء ، فخرج نوح ومن معه بعد ستة أشهر ، وقد رمدت أعينهم من عفونة الماء ، فأوحي إليه أن يكتحلوا بالإثمد ، ففعلوا ، فبرءوا ).

والصحيح أن الاكتحال يوم عاشوراء لا يصح فيه حديث أبداً ، وكله منكر وبدعة وجزم الحاكم والبيهقي وأحمد بن حنبل وابن القيم وابن حجر : أن الحديث لا يصح ، وكذا الألباني .

ومما يقوي وجوب ترك الاكتحال يوم عاشوراء : ما جاء في بعض كتب الأحناف ( من أن يزيد أو ابن زياد اكتحل بدم الحسين ، لتقر عينه بقتل الحسين )

بل الاكتحال منهي عنه في يوم عاشوراء ، لأنه صار علامة لبغض أهل البيت ، نقله المناوي في الفيض عن كتاب القنية

"فيض القدير" (6/82) ، "أوجز المسالك" للكاندهلوي (5/91) ، "لطائف المعارف" ص (52)

"المنار المنيف" ص (111) ، "تنزيه الشريعة" لابن عراق (2/157) ، "فيض القدير" (6/236)

"صيام عاشوراء" للرحيلي ص (161-164) ، "ضعيف الجامع" ص (788) رقم (5467) .

بدع عاشوراء :

لقد أحدث الناس في هذا اليوم بدعاً منكرة ، وارتكبوا فيه أعمالاً مستقبحة قال ابن تيمية : ( وصار الشيطان بسبب قتل الحسين رضي الله عنه يحدث للناس بدعتين : بدعة الحزن والنوح يوم عاشوراء ، من اللطم والصراخ والبكاء والعطش وإنشاء المراثي ، وما يفضي إليه ذلك من سب السلف ولعنهم ، وإدخال من لا ذنب له مع ذوي الذنوب ، حتى يُسب السابقون الأولون ، وتقرأ أخبار مصرعه التي كثير منها كذب ، وكان قصد من سنَّ ذلك فتح باب الفتنة والفرقة بين الأمة ، فإن هذا ليس واجباً ولا مستحباً باتفاق المسلمين ، بل إحداث الجزع والنياحة للمصائب القديمة من أعظم ما حرمه الله ورسوله ، وكذلك بدعة الفرح والسرور ...) ا.هـ وقال أيضا : ( ولم يسن رسول الله r ولا خلفائه الراشدون في يوم عاشوراء شيئاً من هذه الأمور ، لا شعائر الحزن والترح ، ولا شعائر السرور والفرح ...ا.هـ)

وذكر الحافظ ابن حجر أن بدعة الحزن والبكاء يفعلها الشيعة الروافض الذين يظهرون موالاة أهل البيت ، وأن بدعة الفرح والسرور واتخاذه عيداً يفعلها الشيعة النواصب الذين يبغضون علياً وأصحابه

(ومن البدع طبخ الحبوب في هذا اليوم واعتقاد أن أكله في ذلك اليوم له مزية خاصة ، وأنه له أجراً عظيماً لمن يفعله ويطعم الفقراء والمساكين ، ومنشأ هذه البدعة ما روي أن نوحاً عليه السلام لما نزل من السفينة ومن معه شكوا إليه الجوع ، وقد نفدت أزوادهم ، فأمرهم أن يأتوا بفاضل أزوادهم ، فجاء هذا بكف حنطة ، وهذا بكف عدس ، وهذا بكف فول ، وهذا بكف حمص ، إلى أن بلغت سبع حبوب ، وكان يوم عاشوراء ، فسعى نوح عليه السلام وطبخها ، فأكلوا جميعاً وشبعوا ، وكان ذلك أول طعام طبخ على وجه الأرض بعد الطوفان ، فاتخذه الناس سنة يوم عاشوراء ) ذكره الأجهوري .

ولهذا قيل :

في يوم عاشوراء سبع تهترس             برٌ وأرزٌ ثم ماش وعدس

وحمص ولوبيا والفول                      هذا هو الصحيح والمنقول

( وهذا كله بدعة وضلالة ، ولم يثبت به شيء ) . قاله السبكي

قال ابن تيمية : ( وأما سائر الأمور ، مثل : اتخاذ طعام خارج عن العادة ، إما حبوب ، وإما غير حبوب ، أو تجديد لباس ، أو توسيع نفقة ، أو اشتراء حوائج العام ذلك اليوم ، أو فعل عبادة مختصة كصلاة مختصة به ، أو قصة الذبح ، أو ادخار لحوم الأضاحي ليطبخ بها الحبوب ، أو الاكتحال ، أو الاختضاب ، أو الاغتسال ، أو التصافح ، أو التزاور ، أو زيارة المساجد والمشاهد ، ونحو ذلك ، فهذا من البدع المنكرة التي لم يسنها رسول الله r ولا خلفائه الراشدون ، ولا استحبها أحد من أئمة المسلمين ولا علماء المسلمين ، وإن كان بعض المتأخرين من أتباع الأئمة قد كانوا يأمرون ببعض ذلك ، ويروون في ذلك أحاديث وآثار ، ويقولون : إن بعض ذلك صحيح . فهم مخطئون غالطون بلا ريب عند أهل المعرفة بحقائق الأمور ا.هـ

وذكر غير واحد كالسبكي والبنا الساعاتي من البدع في يوم عاشوراء : زيارة العلماء وعيادة المريض ومسح رأس اليتيم وتقليم الأظفار وقراءة سورة الإخلاص ألف مرة وصلة الرحم ا.هـ

ومن البدع : تأخير إخراج زكاة المال إلى عاشوراء ، ونظم بعضهم فقال :

في يوم عاشوراء عشرٌ تتصل             بها اثنتان ولها فضلٌ نقل

صُم صلّ صِل زر عالماً عد واكتحل      رأس اليتيم امسح تصدّق واغتسل

وسع على العيال قلّم ظفراً                 وسورة الإخلاص قل ألفاً تصل .

( ومن البدع : الشحذ على الأطفال باسم زكاة العشر ، وبعض التجار وأرباب الأموال يزعم أن ذلك يكفي عما وجب عليه من زكاة الأموال ) ذكره علي محفوظ

ومن البدع ما ذكره ابن الحاج : ( أن النساء يستعملن الحناء في يوم عاشوراء ، ومن لم يفعله منهن فكأنها ما قامت بحق عاشوراء ، وهكذا البخور ، من لم يشتره منهن في ذلك اليوم ويتبخرن به ، فكأنما ارتكب أمراً عظيماً . وهكذا ادخارهن له طول السنة يتبركن به ويتبخرن ، إلى أن يأتي مثله يوم عاشوراء الثاني ، ويزعمن أنه إذا بخّر به المسجون خرج من سجنه ، وأنه يبرئ من العين والنظرة والمصاب والموعوك ) ا.هـ

( وهكذا البخور الذي يطوف به على البيوت قوم من العاطلين لا خلاق لهم ، فيرقون منه الأطفال مع كلمات ساقطة يقولونها بمحضر من أمهاتهم ، يوهمونهن أن هذه الرقية وقاية لهم من العين ، وكل مكروه إلى السنة القابلة ) ذكره علي محفوظ .

ومن البدع : ( دخول النساء الجامع العتيق بمصر ، يقمن فيه من أول النهار إلى الزوال ، يتمسّحن فيه بالمصاحف والمنابر والجدران ) ذكره ابن الحاج .

وغالب هذه البدع شائع في مصر .

وما سبق ذكره ، كُلّه ابتداع باطل ، واعتقاد فاسد ، يجب تركه والتحذير منه ، ولا يثبت شيء في هذا ، وكله بدعة وضلالة .

إلا الصوم وحده فهو الثابت ، وهو السنة ، وغيره بدعة .

"شرح الزرقاني على المواهب ــ" (8/124) ، "منهاج السنة" لابن تيمية (2/322-323)

"فتاوى ابن تيمية" (25/310 ، 312) و (301) ، "الدين الخالص" للسبكي (8/417-418)

"المدخل" لابن الحاج (1/290-291) ، "الصواعق المحرقة" لابن حجر ص (278)

"بلوغ الأماني" للساعاتي (10/193) ، "الإبداع في مضار الابتداع" لعلي محفوظ ص (271)

"عاشوراء و تحقيق وجود رأس الحسين ، للأجهوري ص (31) ، صيام عاشوراء للرحيلي                ص (148-154،187 )

الأذكار والأدعية المبتدعة يوم عاشوراء :

من ذلك قوله : ( حسبي الله ونعم الوكيل ، نعم المولى ونعم النصير ) من قالها سبعين مرة في يوم عاشوراء ، كفاه الله شر ذلك اليوم .

ومن ذلك قراءة الفاتحة سبعاً في إناء فيه ماء ورد ، ثم يمسح به رأسه ووجهه ، ويفعل ذلك : بمن يحبُّ من أهله وولده ؛ من فعل ذلك في يوم عاشوراء حُفِظ من جميع العلل والأسقام إلى مثل ذلك اليوم من العام القابل ، وهذا بدعة كله ، ذكره محمد بن أحمد بن عبد السلام .

ومن ذلك : الدعاء يوم عاشوراء بقوله : ( يا محسن ، قد جاءك المسيء ، وقد أمرت يا محسن بالتجاوز عن المسيء ، وأنت المحسن وأنا المسيء ، فتجاوز عن قبيح ما عندي بجميل ما عندك ، فأنت بالمعروف موصوف ، ائتني بمعروف ، واغنني به عن معروف من سواك ، برحمتك يا أرحم الراحمين )

وهذا الدعاء ذكره النابلسي في فضائل الشهور والأيام ، وهو بدعة لم يثبت .

ومن البدع : ما نُقل عن بعض الخرافيين الصوفيين قوله : ( بسم الله الرحمن الرحيم ، سبحان الله ملء الميزان ومنتهى العلم ومبلغ الرضا وعدد النعم وزنة العرش ؛ والحمد لله ملء الميزان ومنتهى العلم ومبلغ الرضا وعدد النعم وزنة العرش ؛ لا إله إلا الله ، ملء الميزان ومنتهى العلم ومبلغ الرضا وعدد النعم وزنة العرش ، الله أكبر ، ملء الميزان ومنتهى العلم ومبلغ الرضا وعدد النعم وزنة العرش ، لا حول ولا قوة إلا بالله ، ملء الميزان ومنتهى العلم ومبلغ الرضا وعدد النعم وزنة العرش ، لا ملجأ ولا منجا من الله إلا إليه ، سبحان الله عدد الشفع والوتر ، وعدد كلمات الله التامات ،الحمد لله عدد الشفع و الوتر، وعدد كلمات الله التامات، لا إله إلا الله عدد الشفع و الوتر، وعدد كلمات الله التامات، الله أكبر ، عدد الشفع والوتر وعدد كلمات الله التامات ، لا حول ولا قوة إلا بالله ، عدد الشفع والوتر وعدد كلمات الله التامات ، حسبنا الله ونعم الوكيل ، نعم المولى ونعم النصير ، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً )

هذا الدعاء ، من قاله في يوم عاشوراء ، لم يمت في سنته ، ومن فرغ أجله لم يلهمه الله تعالى قراءته .

وهذا الذكر والدعاء من المخترعات الباطلة ، وقول باطل شنيع فظيع مردود ، ولا شك أنه ميت إذا قضى الله عليه الموت ، ولو قرأه مائة ألف مرة ، بل هو من أشنع الكذب والاختلاق والزور والبهتان على الله وعلى شريعته ، فقراءته واعتقاد ذلك بدعة مذمومة سيئة قبيحة .

"حاشية الجمل على شرح المنهج" لسليمان الجمل (2/348) ، "فضائل الشهور والأيام" للنابلسي ص (75)

"الرسالة الغراء في بيان بدع عاشوراء" لمحمد بن أحمد بن عبد السلام (8 ، 10-11)

"صيام عاشوراء" للرحيلي ص (165-167)

الحكايات الموضوعة في يوم عاشوراء :

فيه حكايات مكذوبة ، ولا توجد هذه إلا في الكتب المشحونة بالخرافات كـ "روض الرياحين في حكايات الصالحين" لعبد الله بن أسعد اليافعي ، وكتاب "نزهة المجالس ومنتخب النفائس" لعبد الرحمن الصفوري ، وكتاب "الروض الفائق في المواعظ والرقائق" لشعيب الحريفيش . وهناك بعضا منها :

[ 1- ذكر اليافعي في "روض الرياحين" : أنه كان بالري قاضي غني ، فجاءه فقير يوم عاشوراء ، فقال له : أنا رجل فقير ذو عيال ، وقد جئتك مستشفعاً بحرمة هذا اليوم لتعطيني عشرة أمنان – وهو يقدّر بأربع وعشرين أوقية - خبزاً ، وخمسة أمنان لحماً ودرهمين ، فوعده القاضي في الظهر ، فجاءه فدافعه إلى العصر ، فلما جاءه لم يعطه شيئاً ، فذهب الفقير منكسراً ، فمرّ بنصراني جالس بباب داره ، فقال له الفقير : بحق هذا اليوم وحرمته أعطني شيئا ، فقال النصراني : وما هذا اليوم ، فذكر له الفقير شيئا من صفاته وحرمته ، فقال له النصراني : أذكر حاجتك ، فذكرها له ، فأعطاه من الخبز عشرة أقفزة حنطة – تعادل ستة عشر كغ- ومن اللحم مائة منّ ، ومن الدراهم عشرين درهما ، وقال : هذا لك ولعيالك ما دمت حياً في كل شهر ، كرامة لهذا اليوم ، فذهب الفقير إلى منزله ، وفي الليل ، وعندما كان القاضي نائماً ، سمع هاتفاً يقول له : ارفع رأسك ، فرفع رأسه فرأى قصراًً مبنياً بلبنة من ذهب ولبنة من فضة ، وقصراً آخر من ياقوتة حمراء ، فقال : إلهي ، ما هذان القصران؟ فقيل له : هذان كانا لك ، لو قضيت حاجة الفقير ، فلما رددته صار لفلان النصراني ، فانتبه القاضي مرعوباً ، ينادي بالويل والثبور ، فغدا إلى النصراني ، وقال له : بعني الجميل الذي عملته مع الفقير بمائة ألف ، فقال له النصراني : لا أبيع ذلك بملء الأرض كلها ) .

وذكر الحريفيش في "الروض الفائق" هذه القصة ، إلا أنه جعل الفقير وعياله صياماً يوم عاشوراء ولم يجدوا ما يفطرون عليه ، وأن الفقير طلب من الرجل أن يقرضه درهما واحداً ليشتري به فطوراً لعياله ، وجعل المتصدق يهودياً .

2- ذكرها ابن الجوزي في "بستان الواعظين ورياض السامعين" : أن أسيراً خرج في يوم عاشرواء من بلد الكفار ، فطلبوه ، فلما رأى الفرسان خلفه وأيقن أنه مأخوذ ، رفع رأسه إلى السماء ، وقال : اللهم بحق هذا اليوم المبارك ، أسألك أن تنجيني وتحفظني منهم ، فأعمى الله أبصارهم جميعاً ، فنجا الأسير ، وصام ذلك اليوم ، فلم يجد شيئا يفطر عليه ، فنام ، وأُطعِم وسُقي في النوم ، فعاش بعد ذلك عشرين سنة ، لم يكن له حاجة إلى الطعام والشراب .

3- ذكرها الصفوري في "نزهة المجالس" قال : رأيت في "روض الأفكار" : أن رجلاً تصدق بسبعة دراهم يوم عاشوراء ، وجعل ينتظر عوضها طول سنته ، فلما كان يوم عاشوراء ، سمع بعض العلماء يقول : من تصدق بدرهم يوم عاشوراء أخلف الله عليه ألف درهم ، فقال : ليس هذا بصحيح ، فقد أنفقت سبعة دراهم ، فلم أجد لها عوضاً ، فلما كان الليل جاء رجل بسبعة آلاف درهم ، وقال له : خذ أيها الكذاب ، ولو صبرت إلى يوم القيامة لكان خيراً لك .

4- ذكرها الصفوري في "نزهة المجالس" والحريفيش في "الروض الفائق" : أنه كان بمصر رجلٌ لا يملك إلا ثوباً واحداً ، فصلى الصبح يوم عاشوراء في جامع عمرو بن العاص ، فقالت له امرأة : أعطني شيئاً لله ، أستعين به على أولادي ، فأعطاها ثوبه ، فقالت له : ألبسك الله من حلل الجنة ، ولما كان الليل ، رأى الرجل في المنام حوراء جميلة ومعها تفاحة لها رائحة طيبة ، فكسرها ، فوجد فيها حلة ، فقال لها : من أنت ؟ قالت : أنا عاشوراء زوجتك في الجنة ، فاستيقظ فوجد البيت قد فاح فيه رائحة طيبة ، فتوضأ وصلى ركعتين ، وقال : اللهم إن كانت زوجتي حقاً في الجنة ، فاقبضني إليك ، فاستجاب الله دعاءه فمات في الحال .

5- ذكرها الحريفيش في "الروض الفائق" أنه كان بالبصرة رجل ثري ، وكان يحسن إلى الأرامل والأيتام والمساكين ، وكان في كل سنة يجمع الناس في بيته ليلة عاشوراء ، يحيون تلك الليلة المباركة بالقراءة والذكر ، وكان له جار ، وله بنت مقعدة ، سهرت تسمع القرآن والذكر إلى وقت السحر ، فلما ختموا القرآن ودعوا ، رفعت رأسها إلى السماء وقالت : اللهم بحرمة هذه الليلة عندك ، وبهؤلاء الأقوام الذين باتوا يتلون ذكرك ، ساهرين في طاعتك ، إلا عافيتني ومسحت ضُري وجبرت قلبي بعد كسري ، فما استتمت الكلام إلا زالت عنها الأوجاع والأسقام ، ونهضت قائمة على الأقدام .

وهذه القصص قد يُستدل بها على فضل الصدقة في يوم عاشوراء ، أو ميزة خاصة لتفطير الصائم في يوم عاشوراء ، أو ذكر أو دعاء في ليلة عاشوراء ، وكلها قصص مكذوبة لا تصح .

"روض الرياحين" لليافعي ص (263) حكاية رقم (327) ، "بستان الواعظين" لابن الجوزي ص (363)

"الروض الفائق" للحريفيش ص (220-221) ، "نزهة المجالس" للصفوري (1/175)

"صيام عاشوراء" للرحيلي ص (182-184 ، 217 ، 222 ، 225) .

الأحاديث الضعيفة والموضوعة في يوم عاشوراء :

استغلت الأحزاب السياسية استشهاد الحسين بن علي رضي الله عنهما يوم عاشوراء سنة 61هـ ، فوضعوا في هذا اليوم ما لا يقبله عقل ، وألحقوا به أوصافاً ما أنزل الله بها من سلطان .

قال ابن كثير : ( ولقد بالغ الشيعة في يوم عاشوراء ، فوضعوا أحاديث كثيرة كذباً فاحشاً ، من كون الشمس كسفت يومئذ حتى بدت النجوم ، وما رُفع يومئذ حجر إلا وجد تحته دم ، وأن أرجاء السماء احمرّت ، وأن الشمس كانت تطلع وشعاعها كأنه الدم ، وصارت السماء كأنها علقة ، وأن الكواكب ضرب بعضها بعضاً ، وأمطرت السماء دماً أحمر ، وأن الحمرة لم تكن في السماء قبل يومئذ ، ونحو ذلك ، وروى ابن لهيعة عن أبي قبيل المعافري : أن الشمس كسفت يومئذٍ حتى بدت النجوم وقت الظهر ، وأن رأس الحسين لما دخلوا به قصر الإمارة جعلت الحيطان تسيل دماً ، وأن الأرض أظلمت ثلاثة أيام ، ولم يُمس زعفران ولا ورس بما كان معه يومئذ إلا احترق من مسه ، ولم يُرفع حجر من حجارة بيت المقدس إلا ظهر تحته دم عبيط ، وأن الإبل التي غنموها من إبل الحسين حين طبخوها صار لحمها مثل العلقم – وهو الحنظل المرّ – إلى غير ذلك من الأحاديث الموضوعة والأكاذيب التي لا يصح منها شيء .

وأما ما روي من الأحاديث والفتن التي أصاب من قتله فأكثرها صحيح ، فإنه قلّ من نجا من أولئك الذين قتلوه من آفة وعاهة في الدنيا ، فلم يخرج منها حتى أصيب بمرض ، وأكثرهم أصابهم الجنون ا.هـ

ومن الأحاديث التي وضعت زوراً وبهتاناً :

1- ما أخرجه ابن الجوزي في "الموضوعات" من حديث أبي هريرة مرفوعاً : « إن الله عز وجل افترض على بني إسرائيل صوم يوم في السنة – وهو يوم عاشوراء – وهو اليوم العاشر من المحرم ، فصوموه ووسّعوا على أهليكم فيه ، فإنه من وسع على أهله من ماله يوم عاشوراء وسع الله عليه سائر سنته ، فصوموه ، فإنه اليوم الذي تاب الله فيه على آدم ، وهو اليوم الذي رفع الله فيه إدريس مكاناً عليا ، وهو اليوم الذي نجّى الله فيه إبراهيم من النار ، وهو اليوم الذي أخرج فيه نوحاً من السفينة ، وهو اليوم الذي أنزل الله فيه التوراة على موسى ، وفيه فدى الله إسماعيل من الذبح ، وهو اليوم الذي أخرج الله فيه يوسف من السجن ، وهو اليوم الذي ردّ الله على يعقوب بصره ، وهو اليوم الذي كشف الله فيه عن أيوب البلاء ، وهو اليوم الذي أخرج الله فيه يونس من بطن الحوت ، وهو اليوم الذي كشف الله فيه عن أيوب البلاء ، وهو اليوم الذي أخرج الله فيه يونس من بطن الحوت ، وهو اليوم الذي فلق الله فيه البحر لبني إسرائيل ، وهو اليوم الذي غفر الله لمحمد ذنبه ما تقدم منه وما تأخر ، وفي هذا اليوم عبر موسى البحر ، وفي هذا اليوم أنزل الله تعالى التوبة على قوم يونس ؛ فمن صام هذا اليوم ، كانت له كفارة أربعين سنة ، وأول يوم خلق الله من الدنيا يوم عاشوراء ، وأول مطر نزل من السماء يوم عاشوراء ، وأول رحمة نزلت يوم عاشوراء ، فمن صام يوم عاشوراء فكأنما صام الدهر كله ، وهو صوم الأنبياء ، ومن أحيا ليلة عاشوراء فكأنما عبد الله تعالى مثل عبادة أهل السماوات السبع ، ومن صلى أربع ركعات يقرأ في كل ركعة الحمد مرة ، وخمسين مرة (قل هو الله أحد) غفر الله له ذنوب خمسين عاماً ماضية وخمسين عاما مستقبلة ، وبنا له في الملأ الأعلى ألف ألف منبر من نور ، ومن سقى شربة من ماء فكأنما لم يعص الله طرفة عين ، ومن أشبع أهل بيت مساكين يوم عاشوراء مرّ على الصراط كالبرق الخاطف ، ومن تصدق بصدقة يوم عاشوراء فكأنما لم يرد سائلاً قط ، ومن اغتسل يوم عاشوراء لم يمرض مرضاً إلا مرض الموت ، ومن اكتحل يوم عاشوراء لم ترمد عيناه تلك السنة كلها ، ومن أمرّ يده على رأس يتيم فكأنما بر يتامى ولد آدم كلهم ، ومن صام يوم عاشوراء أُعطي ثواب ألف حاج ومعتمر ، ومن صام يوم عاشوراء أعطي ثواب عشرة آلاف ملك ، ومن صام يوم عاشوراء أعطي ثواب ألف شهيد ، ومن صام يوم عاشوراء كُتب له أجر سبع سماوات ، وفيه خلق الله السماوات والأرضين والجبال والبحار ، وخلق العرش يوم عاشوراء ، وخلق القلم يوم عاشوراء ، وخلق اللوح يوم عاشوراء ، وخلق جبريل يوم عاشوراء ، ورُفع عيسى يوم عاشوراء ، وأعطي سليمان الملك يوم عاشوراء ، ويوم القيامة يوم عاشوراء ، ومن عاد مريضاً يوم عاشوراء فكأنما عاد مرضى ولد آدم كلهم »

هذا حديث مكذوب ، موضوع ، منكر . قاله ابن الجوزي والسيوطي وابن عرّاق

2- ما أخرجه ابن الجوزي في الموضوعات ، من حديث ابن عباس مرفوعاً : « من صام يوم عاشوراء كتب الله له عبادة ستين سنة بصيامها وقيامها ... ومن أفطر عنده مؤمن في يوم عاشوراء ، فكأنما أفطر عنده جميع أمة محمد ، ومن أشبع جائعاً في يوم عاشوراء ، فكأنما أطعم جميع فقراء أمة محمد r وأشبع بطونهم ، ومن مسح على رأس يتيم رُفعت له بكل شعرة على رأسه في الجنة درجة » قال : فقال عمر : يا رسول الله ، لقد فضلنا الله عز وجل بيوم عاشوراء ، قال : « نعم ... -وذكر- أنه خلق الملائكة يوم عاشوراء ، وخلق آدم يوم عاشوراء ، وولد إبراهيم يوم عاشوراء ... وولد إدريس يوم عاشوراء .... وولد النبي r في يوم عاشوراء ، واستوى الرب عز وجل على العرش يوم عاشوراء .... » هذا حديث مكذوب لا يصح ، قاله أبو حاتم وابن الجوزي والسيوطي وابن عراق .

3- ما أورده ابن عرّاق في "تنزيه الشريعة" عن ابن عباس موقوفاً : ( يوم عاشوراء يوم جعل الله فيه خيراً كثيراً ... وفيه اتخذ الله إبراهيم خليلاً ، وفيه بُشرت سارة بإسحاق .... وفيه جمع الله بين يوسف ويعقوب .... وهو اليوم العاشر من المحرم ، فمن أراد أن يصيبه ، فليصم التاسع والعاشر والحادي عشر ، فإنه يصيبه ) هذا حديث مكذوب ، قاله ابن عرّاف .

4- ما أخرجه ابن الجوزي في "الموضوعات" من حديث أبي أمية عنبسة بن أمية بن خلف الجمحي قال : ( رأى رسول الله r على يدي صرد ، فقال : « هذا أول طير صام عاشوراء » ) قال ابن الجوزي : لا يصح .

5- ما أخرجه ابن الجوزي في الموضوعات من حديث أبي هريرة مرفوعاً : « من صلى يوم عاشوراء ما بين الظهر والعصر أربعين ركعة ، يقرأ في كل ركعة بفاتحة الكتاب مرة وآية الكرسي عشر مرات وقل هو الله أحد إحدى عشرة مرة والمعوذتين خمس مرات ، فإذا سلم استغفر سبعين مرة ، أعطاه الله في الفردوس قبة بيضاء ، فيها بيت من زمردة خضراء ، سعة ذلك البيت مثل الدنيا ثلاث مرات ، وفي ذلك البيت سرير من نور ، قوائم السرير من العنبر الأشهب ، على ذلك السرير ألفا فراش من الزعفران » وذكر حديثاً طويلاً من هذا الجنس .

قال ابن الجوزي : هذا حديث موضوع .

6- حديث : « أنا الضامن له كل درهم ينفق يوم عاشوراء ، يريد به ما عند الله ، حسب بسبعمائة ألف في سبيل الله ، وكان عند الله أكثر ثواباً ممن في السماوات والأرض ، ومن تصدق في يوم عاشوراء فكأنما تصدق على ذرية آدم صلوات الله عليه وسلامه » قال العراقي : حديث منكر .

7- حديث : « من وسع على أهله يوم عاشوراء ، وسع الله عليه سائر سنته » خرّجه ابن الجوزي في "الموضوعات" من حديث عبد الله بن مسعود مرفوعاً ، قال ابن الجوزي : حديث موضوع – وقد مر معنا ذلك مفصلاً عند الحديث عن التوسعة – .

8- حديث : « من اكتحل يوم عاشوراء بإثمد فيه مسك ، عُوفي من الرمد » خرّجه السيوطي في اللآلئ المصنوعة" من حديث أبي هريرة مرفوعاً ، وهو حديث موضوع – وقد مر معنا ذلك مفصلاً في الاكتحال يوم عاشوراء فلا نعيده-

10- حديث أبي هريرة مرفوعاً : « صوم عاشوراء يوم كانت تصومه الأنبياء ، فصوموه أنتم » خرّجه ابن أبي شيبة ، قال الألباني : هو منكر بهذا اللفظ ا.هـ

قال محمد بن إبراهيم : ( وجميع الأحاديث الواردة فيه لا تصح ، فتعظيمه بغير الصيام باطل ، ولا يجوز أن يُحزَن فيه كما تفعله الرافضة ، ولا يجوز أن يُزاد فيه بالسرور ، فيكون بدعة أيضاً ، وهو ليس بعيد ، هو يوم فضّله الله بصومه فقط ) ا.هـ

"البداية والنهاية" (8/203) ، "الموضوعات" لابن الجوزي (2/122 ، 201-204)

"تنزيه الشريعة" لابن عراق (2/149-150) ، "مواهب الجليل" للحطاب (2/405)

"اللآلي المصنوعة" للسيوطي (2/54 ، 108-109 ، 111) ، "صيام عاشوراء" للرحيلي ص (168-181)

"إرواء الغليل" (4/112) ، "فتاوى ابن إبراهيم" (4/203)

أهم الأحداث في يوم عاشوراء :

وقعت في هذا اليوم يوم عاشوراء أحداث كثيرة ، وسنقتصر على ذكر بعضها ، وليس القصد في ذكرها تعظيم هذا اليوم وبيان فضله ، وإنما القصد مجرد التعرف على ذلك ، كما لو تعرفنا على بعض الأحداث في رمضان والحج ، وهاك بعضها:

1- في عاشوراء من كل عام ، كانت تقوم سوق هجر ، وكانت تستمر حتى آخر محرم ، وكانت هذه السوق في اليمامة ، وكان يجري فيها المفاخرة والبيع والشراء . ذكره ابن حبيب الهاشمي في "المحبر" والبغدادي في "خزانة الأدب"

2- في عاشوراء سنة 61هـ وقعت معركة كربلاء بالقرب من الكوفة في العراق ، في مكان يُدعى الطف ، بين الحسين بن علي رضي الله عنه ، وبين جيش عمر بن سعد بن أبي وقاص ، الذي أرسله عبيد الله بن زياد والي الكوفة من قبل يزيد بن معاوية ، وقد قاتل الحسين وأصحابه قتالاً عنيفاً ، وانتهى الأمر بأن قُتِل وجميع من كانوا معه ، ولم يبقَ إلا النساء والأطفال ، ووقع النّهب والسبي في عسكره وذراريه ، والأشهر أن قاتله هو سنان بن أنس النخعي ، وكان عبيد الله بن زياد والي الكوفة هو الذي جهّز الجيوش لحرب الحسين .

وليقضي الله أمراً كان مفعولاً ، قُتِل عبيد الله بن زياد يوم عاشوراء سنة 67هـ قتله إبراهيم بن الأشتر في الحرب .

وفي حديث أم سلمة عند الطبراني وغيره : ( أخبر جبريل النبي r أن الحسين سيُقتل بأرض يقال لها كربلاء ، وتناول جبريل من تربتها ، فأراها النبي r ، فلما أحيط بحسين حين قُتل قال : ما اسم هذه الأرض ؟ قالوا : كربلاء ، فقال : صدق الله ورسوله : كرب وبلاء ، وفي وراية : صدق رسول الله r : أرض كرب وبلاء ) .

وفي حديث أم سلمة عند الطبراني وغيره : ( أنه حين جاء نعي الحسين بن علي رضي الله عنهما ، لعنت أهل العراق وقالت : قتلوه قتلهم الله عز وجل ، غرّوه ودلّوه ، لعنهم الله ) .

3- في عاشوراء سنة 187هـ توفي الفضيل بن عياض التميمي اليربوعي شيخ الحجاز .

4- في عاشوراء سنة 197هـ توفي وكيع بن الجراح بن مليح الكوفي ، وهو في زمانه كالأوزاعي في زمانه .

5- في عاشوراء سنة 242هـ توفي عبيد الله بن ذكوان ، مقرئ دمشق ، وأحد رواة القارئ ابن عامر الشامي .

6- في عاشوراء سنة 510هـ كانت فتنة عظيمة بطوس ، في مشهد علي بن موسى ، وسببها أن علوياً خاصم في المشهد يوم عاشوراء بعض فقهاء طوس ، فأدى ذلك إلى مضاربة ، وانقطعت الفتنة ، ثم استعان كل منهما بحزبه ، فثارت فتنة عظيمة حضرها جميع أهل طوس ، وأحاطوا بالمشهد وخربوه ، وقتلوا من وجدوا ، فقُتِل بينهم جماعة ، ونهبت أموال جمة ، وافترقوا.

7- في سنة 656هـ وصل التتار إلى بغداد ، وهم مائتا ألف ، يتقدمهم هولاكو ، فخرج إليهم عسكر الخليفة المستعصم ، فهُزم العسكر ، ودخلوا بغداد يوم عاشوراء ا.هـ

هذا ، والله تعالى أعلم وأحكم ، وصلى الله وسلم على نبينا محمد بن عبد الله ، وعلى آله وصحبه أجمعين .

"خزانة الأدب" للبغدادي (4/474) ، "المحبر" لابن حبيب ص (268)

"البداية والنهاية" لابن كثير (8/189-190) ، "الآداب السلطانية" للفخري ص (15)

"أسد الغابة" لابن الأثير (2/18-19) ، "الاستيعاب" لابن عبد البر (1/393)

"الكامل في التاريخ" لابن الأثير (10/523) ، "تاريخ الخلفاء" للسيوطي ص (417)

"شذرات الذهب" لابن العماد الحنبلي (1/317 ، 349) ، "حوليات الإسلام" ، لأحمد عطية الله (1/279)

"إتحاف الجماعة" للتويجري (1/239 ، 241) ، "صيام عاشوراء" للرحيلي ص (191-202) .

 


 


 هذا البحث اختصار وتهذيب لكتاب (صيام عاشوراء وما يرتبط بهذا اليوم ) لمحمد عودة الرحيلي.

 

 

كتابة تعليق
الاسم:
العنوان:
تأثير نصي:صفحة انترنتبريد الكترونيخط عريضخط مائلنص تحته خطاقتباسكودفتح قائمةعناصر القائمةإغلاق القائمة
التعليق:

 

طباعة

533  زائر

إرسال


أراد أحد الصالحين أن يُطلَّق امرأته، فقيل له: ما الذي يريبك فيها؟ فقال: العاقل لا يهتك ستر امرأته، فلما طلَّقها، قيل له: لِمَ طلّقتها؟ فقال: قد أصْبَحت أجنبية عني، والحديث عنها غيبة، والغيبة حرام. «قطوف مختارة» لعبد الله بن يحيى الغامدي (ص137).
إيقاف تشغيل / السرعة الطبيعية للأعلى للأسفل زيادة السرعة تقليل السرعة  المزيد
 
  الأعمال المشروعة في رمضان 

  العشر الأواخر 

  وداع رمضان 

  الناس وسيد الشهور 

  دعاء ختم القرآن 

  هي خير من ألف شهر 

عبائتي كمها ضيق فهل ألبسها؟   كيف يرقي الإنسان ويعوذ أولاده