اضفه للمفضله اخبر عنا اتصل بنا البث المباشر

التاريخ : 7/8/1428 هـ

بحوث ودراســات

الشيخ/ جماز بن عبدالرحمن الجماز

السحر والكهانة

 

الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد بن عبدالله وعلى آله وصحبه أجمعين . أما بعد : فإن السحر عالم عجيب ، تختلف فيه الحقيقة بالخرافة ، والعلم بالشعوذة ، عالم ظاهره جميل خلاب ، يفتن قلوب البسطاء ويخدع السذَّج والرعاع ، وباطنه قذر عفن ، يتجافى عنه أولو الألباب ، وينأى عنه أصحاب الفطر السليمة والقلوب المستنيرة .

إن تاريخ السحر تاريخ أسود قاتم ، وهو خدعة شيطانية ، يُضِّل بها شياطين الإنس والجن عباد الله ، فيوقعونهم به في أعظم جريمة ، جريمة الكفر والشرك والضلال .

أيّه الأحبة في الله : إنَّه نَظَراً لخطورة هذا الأمر ، ولربما كان سبباً في خلود صاحبه في نار جهنم ، كان الحديث عن السحر والشعوذة أمرٌ لا بد منه ، خاصة ومع كثرة انتشارهم ، وانخداع كثير من المسلمين والمسلمات بهؤلاء الشرذمة ، واعتقاد أنهم متطببون ، يعالجون الناس بأدوية مباحة ، وأنهم أصحاب صلاة وقرآن ؛ والأمر بخلاف ذلك ، فهم أصحاب كيد وخداع ودَجَل . من هنا ، كان الوعي بهذا الداء والذي انتشر في بلاد المسلمين أمر واجب ، لا بد أن يكون ظاهراً ومعلوماً عند المسلمين والمسلمات .

"عالم السحر والشعوذة" لعمر الأشقر ص (7-8) ، "الوقاية والعلاج من الكتاب والسنة" لمحمد الشايع ص (76-77) ، شريط "السحر والكهانة" لعبد العزيز العبد اللطيف" .

تاريخ السحر :

إنَّ السحر بعيد الغور في تاريخ البشرية،يدل لذلك:ما وجِد في الخرائب والقبور،مما خلَّفه الإنسان من كتابات ورموز وتصاوير وأساطير،والعمدة في صدق هذا القول،قوله تعالى: {  كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم مِّن رَّسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ} الذاريات: ٥٢  فجميع الأمم واجهت رسلها بهذه المقالة الظالمة ، وهي اتهامهم بالسحر أو الجنون ، وهذا يعني أن جميع الأمم عرفت السحر .

 

وقد ذكر ابن إسحاق وغيره أن قصة هاروت وماروت ، كانت قبل نوح ، كما أفاده الحافظ في الفتح ، غير أنه لا يوجد دليل من الكتاب والسنة يمكن أن يستدل به على تحديد زمن القصة فهو محتمل ، وليس بصحيح أن السحر كان سابقاً على جميع الأديان والمعتقدات ، لأن الإنسان الأول الذي خلقه الله وهو آدم عليه السلام ، كان موحداً مستقيماً ، يعبد الواحد الأحد ، وهكذا تتابعت الأجيال والقرون ، وانتشر الضلال والشرك ، وبهذا يظهر لنا بطلان ما سطَّره المؤرخون وعلماء الاجتماع عن جهل الإنسان الأول وضلاله . ]

"فتح الباري" لابن حجر ج (10) ص (223) ، "عالم السحر والشعوذة" ص (13-14) .

تفسير آيات السحر من سورة البقرة :

يطيب لي ، وفي هذه العجالة : أن أتعرّض لآيات السحر من سورة البقرة ، بشيء من الشرح والبيان ، لكونها هي عمدة الأحكام التي تتعلق بالسحر في كتاب الله تعالى .

في سبب نزولها : أنزل الله إلى بني إسرائيل شريعة مباركة طيبة ، هي شريعة التوراة ، فتركوها ونبذوها ، واشتغلوا بالسحر ، فلما جاءتهم الشريعة التي أنزلها الله على رسوله الخاتم ، استمروا على ضلالهم في اتباع السحر والإعراض عن وحي السماء ، وزعموا أن نبي الله سليمان إنما سخِّرت له الجن والإنس والطير والريح بالسحر ، فأنزل الله هذه الآيات ذاماً لهم ، مبيناً كفرهم وضلالهم ، مبرئاً عبده ونبيه سليمان ، مما رماه به أهل الضلال ، وفي معناها أفاد البغوي والسعدي وغيرهما على الصحيح من أقوال المفسرين : أن الله أنزل السحر على الملكين بأرض بابل في العراق فتنة واختباراً وابتلاء ، حيث أقام الله الملكين يُعلمان الناس السحر ، ويقولان لهم نصحاً : كل واحد يستطيع أن يكون ساحراً ، ولكننا نحذركم من السحر ، فإن السحر كفر ، يجلب غضب الله ، قال الآلوسي : ( وهذان الملكان أُنزلا لتعليم السحر ابتلاء من الله تعالى للناس ، فمن تعلَّم وعمل به كفر ، ومن تعلَّم وتوقّى عمله ثبت على الإيمان ، ولله تعالى أن يمتحن عباده بما شاء ، كما امتحن قوم طالوت بالنهر ) وذكر ابن العربي أن الملكين ليسا بعاصيين في حال تعليمهما الناس السحر ، بل هما مطيعان لله ، ذلك أنهما مكلفان بهذا من الله تعالى ، اختباراً من الله لعباده . ]

وقد ذكر المفسرون أقوالاً أخرى وقصصا وأخباراً عن أحوال هاروت وماروت ، ومنها أن الشياطين كتبت السحر ودفنتها تحت كرسي سليمان ، فلما مات استخرجته ، وقالوا : هذا العلم الذي كان سليمان يكتمه الناس ، ومنها أن هاروت وماروت ملكان أهبطا إلى الأرض ، وأحل لهما كل شيء ، على أن لا يشركا بالله شيئا ، ولا يسرقا ولا يزنيا ولا يشربا الخمر ، وذكر المرأة التي تُدعى الزهرة وأنهما طلباها ، فامتنعت ، إلا أن يعبدا صنماً ويشربا الخمر ، ففعلا ، وواقعاها .

ومنها قصة عائشة مع المرأة التي قدمت عليها من أهل دومة الجندل ، تبتغي السحر ، حيث غاب عنها زوجها ، فشكت أمرها إلى عجوز ، فقالت : إن فعلتِ ما آمرك به ، فأجعله يأتيك . وذكرت قصة لها مع هاروت وماروت ، وأنهما مازال وجودهما مستمر .

وكلها أخبار وقصص لا تصح كما أفاده ابن كثير والقرطبي والقاضي عياض . قال ابن كثير "... وظاهر سياق القرآن إجمال القصة من غير بسط ولا إطناب ، فنحن نؤمن بما ورد في القرآن على ما أراده الله تعالى ، والله أعلم بحقيقة الحال"  والظاهر - والله تعالى أعلم – أن تلك الحكايات والأخبار من وضع اليهود ، فهم يحاولون دائماً أن يبرروا ما هم عليه من القبائح والجرائم ، ومن طرائقهم في هذا أن ينسبوا هذه العظائم إلى الأنبياء والمرسلين ، فيقولون : إنّ لوطاً زنى بابنتيه ، وأحد أبناء يعقوب خان أخاه ، وسليمان كان ساحراً ، فكأنهم يقولون : لا حرج علينا إن وقع هذا منا ، فهؤلاء أنبياء الله وقعت منهم هذه العظائم ، ولعلَّ من هذا الباب ما زعمه اليهود من أن الله ركّب الشهوة في الملكين هاروت وماروت .

"تفسير البغوي" ج (1) ص (127 ، 129) ، "تفسير ابن كثير" ج (1) ص (203) ، "تفسير الآلوسي" ج (1) ص (340) ، "أحكام القرآن لابن العربي" ج (1) ص (45) ، "تفسير السعدي" ج1 ص81، "عالم السحر والشعوذة" للأشقر ص (245-261) .

السحر عند الأمم والأديان :

إنه من المناسب أيه الأحبة في الله أن أعطي لمحة موجزة عن وجود السحر قديماً على مستوى الأمم والأديان ، فمن الأمم ( أهل بابل ) كما مرَّ معنا في آية البقرة ، ولا تزال آثارها قائمة إلى اليوم ، وكانت أعظم مدائن العالم في وقتها ويعتبر أهل بابل وهم الكلدانيون من النبط والسريانيون أنبغ الأمم في السحر والنجامة قد كان أهلها يعبدون الكواكب السبعة لا يعترفون بالصانع الواحد ولهم اعتقادات كفرية شركية في تأثير الكواكب والنجوم على حياة البشر وإن ضلالة عباد الكواكب السبعة لم تكن وقفا على أهل بابل ، بل كانت شائعة في إقليم العراق والشام ومصر والروم كما ذكره الجصاص ، ويذكر ابن كثير أن الذين عمّروا مدينة دمشق كانوا على هذا المذهب يستقبلون القطب الشمالي،ويعبدون الكواكب السبعة.

وكذلك أهل فارس كانوا في بداية أمرهم على التوحيد ، فلما استولى بعض ملوكهم على بابل أخذوا يتدينون بقتل السحرة ، ولم يزل هذا دينهم حتى حدثت فيهم المجوسية ويذكر المؤرخون أن راية الفرس كانت مملوءة بالتنجيم والسحر ، ووجدت ممزقة في الموقعة فيها رستم وانهزم فيها الفرس ، وهي المعركة المعروفة بالقادسية وكان الفرس يعتقدون إن الانتصارات التي حققوها عبر تاريخهم ترجع إلى تلك الراية ، ولكن عندما جاء المسلمون يحملون دين الله في قلوبهم ، رافعين راية الحق ، بَطَل السحر واندقت راية الكفر ، ولم يغنِ عن الفرس سحرهم شيئاً.

"أحكام القرآن" للجصاص ج (1) ص (44-45) ، "المقدمة" لابن خلدون ص (927) ، "البداية والنهاية" لابن كثير ج1 ص132، "السحر" لمحمد جعفر ص (11) ، "عالم السحر والشعوذة" للأشقر ص (15-22) .

وكذلك أهل مصر ، ومن أعظم ملوك مصر الذين حكموهم في آخر عصورهم الملك "نيكتانيبس" وكان ساحراً ضليعاً ، في عصر الأقباط . وأكّد الباحثون في الآثار القديمة أن المناظر و الرسوم المنقوشة على جدران قبور قدماء المصريين قد نقشت بقصد سحري ولم تخل مظاهر الحياة عند قدماء المصريين من آثار السحر،حتى إن المصري في العهد القديم لم يكن يحضِّر طعامه أو يتهيّأ للنوم إلا بعد تلاوة بعض التعاويذ والصيغ السحرية الخاصة ،ومن ذلك أيها الأحبة ما أخبرنا ربنا في كتابه ، عما جرى بين نبي الله موسى عليه السلام والسحرة الكبار على أرض مصر من المواجهة العنيفة ويكفي أن تعلم أن اليونانيين والرومانيين وغيرهم كانوا يرون أن السحر المصري أرقى وأعمق من سحر البلاد الشرقية الأخرى .

"السحر" لمحمد جعفر ص (15) ، "فنون السحر" لأحمد الشنتناوي ص25،29 ،"عالم السحر والشعوذة" للأشقر ص (23-29) .

وكذلك أهل الهند ، ويكفي أن تعلم أيه الحبيب أن الفيدا هو الكتاب المقدس عند الهنود وأن أحد أسفاره مخصص لمعرفة الرقى والسحر ، وهو سفر أترافا ، ومن ينظر في الحال التي عليها الهند اليوم ، فإنه يرى في حاضرها صورة لماضيها الغابر، فالسحرة والكهان والعرافون ومروضوا الثعابين يبلغ تعدادهم عدة ملايين .

وكذلك في بلاد الإغريق ، كان للسحر مكان واسع عند اليونانيين ، وليسوا مبرئين من السحر وقد قام بنقلها بفنونها شخص يُدعى (أوثانسي) إلى بلاد الإغريق ، في عهد الحروب التي استعرت بين الفرس والإغريق .

وكذلك عند اليهود والنصارى،حيث تعلم كثير منهم السحر ومارسوه،وخاصة علمائهم وأهل الرأي فيهم،والتلمود ممتلئ بطقوس السحر والشعوذة والعِرافة، واستشرى تعلى اليهود بالسحر حتى بلغ الأمر بهم إلى ترك الشريعة المنزلة ونبذها،والتعلق بالسحر في كل شأن من شؤون حياتهم قال تعالى:{وَلَمَّا جَاءهُمْ رَسُولٌ مِّنْ عِندِ اللّهِ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِّنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ كِتَابَ اللّهِ وَرَاء ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ}البقرة: ١٠١.{ وَاتَّبَعُواْ مَا تَتْلُواْ الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَـكِنَّ الشَّيْاطِينَ كَفَرُواْ يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ } البقرة: ١٠٢ وهذا الذي اتبعوه هو السحر الذي علمته الشياطين .

وكذلك في أوربا انتشر السحر فيها بواسطة اليهود ، وذلك في الوقت الذي استوطنوا فيه أسبانيا تحت حكم المسلمين ، حيث وجد اليهود الأمن في ظل الدولة الإسلامية العادلة وراحوا يستغلون هذه الفرصة لنفث سمومهم في شتى البقاع في أوربا وأقبل على دارسته وممارسته الأمير والصعلوك والغني والفقير والعالم والجاهل ؛ وقد كان لكل ملك أو أمير أو أميرة ، ساحره الخاص الذي يقوم بخدمته ويحقق له أو لها الأغراض ؛ وأنشأ اليهود آنذاك أول مدرسة للسحر الأسود "مدرسة القبلانية" ثم أغلقت ، فأنشئت جمعيات عديدة لممارسة السحر الأسود ولا يزال بعضها موجوداً حتى الآن ؛ ومنها الماسونية التي تمارس شعائر شبيهة بشعائر القبلانية .

وكذلك عند العرب قبل الإسلام ، عرفوا السحر ومارسوه حماية لأرواحهم وأموالهم وبلادهم غير أنه لم يكن للعرب عناية كبيرة في صناعة السحر كما هو الحال عند الآشوريين والسريانيين والمصريين واليونانيين ، وجُلّ عنايتهم كانت بالكهانة والعِرافة . ومن أوثق الأدلة على وجود السحر عند العرب ، ما جاء في الأحاديث الصحيحة من قصة أصحاب الأخدود ، وفيها أن الملك كان له ساحر وكان للساحر مكانة عظيمة ، وقد دنا أجله ، فأحب أن يتعلم السحر غلام ذكي ؛ لكنَّ الاستدلال بالقصة موضع نظر ، لأن القول بأن أصحاب الأخدود كانوا عرباً من أهل نجران ، لم تدل عليه الأحاديث الصحيحة وإنما ذكره ابن هشام في السيرة ورواه ابن إسحاق موقوفاً على محمد بن كعب القرظي . وهكذا ذكره غير واحد من المؤرخين والمفسرين ؛ ولعله هو الراجح .

وكذلك السحر عند المسلمين حيث جاء الإسلام فشن حرباً لا هوادة فيها على السحرة والكهان والعرافين ، وعدَّ الرسول r السحر واحداً من الجرائم السبع الكبرى .

إنَّ السحرة آنذاك لم توجدهم سوق رائجة في ديار الإسلام ، لأن المسلمين المستقيمين ينظرون إلى السحرة نظرة ازدراء واحتقار ومقت ، وكان سيوف الحكام تلاحقهم بالقتل والضرب والإذابة ، وألسنة العلماء تبيّن خبثهم ودجلهم وضلالهم ؛ وقد ذكر ابن كثير أن الخليفة المعتضد أمر بأن يُنادَى في جميع أنحاء البلاد بأن لا يجتمع العامة على قاصٍ ولا منجِّم ولا جدلي .

ومع ذلك فإن ديار الإسلام لم تخل على مرِّ التاريخ من السحر والسحرة ، حيث عمد بعض المسلمين إلى تصفح بعض الكتب السحرية وإعادة صياغتها ، حيث استيفاؤها وكمال مسائلها كجابر بن حيّان كبيرة السحرة بالمشرق ، ومسلمة بن محمد المجريطي إمام أهل الأندلس في التعاليم والسحريات وأُناساً بالمغرب يعرفون بالبعاجين ، حتى بعض المتصوفة ، خاضوا في نوع من السحر هو علم أسرار الحروف ، ذكره ابن خلدون في المقدمة .

وكذلك وجد السحر في أمريكا ، وكان له مكانة كبيرة ، وللسحرة اطلاعاً واسعاً على خواص النباتات ، فتضر أو تنفع كما يريد الساحر .

وأما في العصر الحاضر ، فإن أكثر شعوب العالم تحضراً تجري فيها طقوس السحر على نحو واسع وبطرق مختلفة تصل إلى الإيذاء والقتل،وليس هذا اللون من الدجل مقصوراً اليوم على الأمم المتخلِّفة ، بل هو شامل لدول العالم المتقدمة المتحضرة ، والتي واكبت التقدم المدني والمادي والتقني ففي فرنسا أظهر التحقيق الذي أجرته وزارة الصناعة والبحث الفرنسية أن 18% من الفرنسيين يؤمنون بالسحر ، وتُقدِّر الإحصائيات عدد السحرة والمشعوذين في فرنسا بأكثر من ستين ألف شخص وفي ألمانيا ثمانين ألف ساحرة ، ومعظمهم كما تقول السلطات ، دخل فرنسا بطريقة غير شرعية من دول أفريقيا السوداء ، خاصة من غينيا والسنغال . وأوضح دليل على العقلية الخرافية في العالم المعاصر تلك العين المرسومة على الدولار الأمريكي لدرء عين المحسود .

وفي القرون الوسطى أيها الأحبة كانت السلطات تحرق السحرة أحياناً ، أما اليوم فإن السلطات لا يمكنها ذلك ، إلا الاتهام بتهمة الاحتيال والنصب والابتزاز لأموال الشعب والذي يتابع أخبار السحرة والمشعوذين في بلادنا الإسلامية والعربية يجد أن الأمر لايقل سوءاً عما يحدث في فرنسا وأمريكا ، ففي العراق ، وعلى مرِّ التاريخ لا يزال للسحر وجود واضح هناك، وروى مالك في "الموطأ" : أنه بَلغَه أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أراد الخروج إلى العراق ، فقال له كعب الأحبار : لا تخرج إليها يا أمير المؤمنين ، فإنّ بها تسعة أعشار السحر ، وبها فسقة الجن وبها الداء العضال .

"قصة الحضارة" لول ديورانت ج (3) ص (38 ، 267 ، 221 ، 235 ، 242)

"دائرة معارف القرن العشرين" ج (5) ص (64-65)

"فنون السحر" للشنتناوي ص (17 ، 21) ، "التلمود" لظفر الإسلام خان ص (47، 81)

"السحر" لمحمد جعفر (31) "السيرة النبوية" لابن هشام ج (1) ص (48)

"البداية والنهاية" لابن كثير ج (11) ص (81) 

"المقدمة" لابن خلدون ص (924 ، 930 ، 936) ، "موطأ مالك" ج (2) ص (743) ، "عالم السحر والشعوذة" للأشقر ص (30-68)

شريط "السحر والكهانة" لعبد العزيز العبد اللطيف .

تعريف السحر :

اختلفت تعاريف العلماء للسحر ، وقد ذكر العلامة الشنقيطي كما في أضواء البيان : أن السحر ليس له اسم جامع مانع ، فنقول : إن هذا هو السحر ، فما خرج منه فليس بسحر، وما كان داخلاً منه فهو سحر . وفي لغة العرب يطلق السحر على كل شيء خَفِيَ سببه ولطُفْ حتى عدَّ الفخر الرازي من جملة أنواع السحر الساعات ، وهي في القديم عبارة عن آلات مركبة ، فكيف بالساعات الالكترونية اليوم ، والعرب إنما سمّت السحر سحراً ، لأنه يزيل الصحة إلى المرض وفي اصطلاح العلماء ، نستطيع أن نقول : هو عقد ورقى أي قراءات وطلاسم ، يتوصل بها الساحر إلى استخدام الشياطين فيما يريد لتضر المسحور ، وأدوية وعقاقير تؤثر على بدن المسحور وعقله وإرادته وميله ، فتجده ينصرف عن صديق أو زوجة ، ويميل إلى امرأة أو آخر ، وهو ما يسمى بالصرف والعطف .

"عالم السحر والشعوذة" للأشقر ص (69-73) ، "الصارم البتار في التصدي للسحرة الأشرار" ص (15-17) ، شريط "السحر والكهانة" لعبد العزيز العبد اللطيف ، "القول المفيد على كتاب التوحيد" ج (2) ص (5 ، 29) .

الفرق بين السحر والمعجزة والكرامة :

إنّ هذا التفريق والحديث عنه ، له أهمية بالغة في موضوعنا ، وهو عدم الخلط بين السحر والمعجزة ، وبمعرفة الفروق تظهر لنا حقيقة السحر ، والفرق بين السحر والمعجزة والكرامة من وجوه :

الأول : إن السحر علم مكتسب يحصل بالتعلم والصناعة ، يتم بمعاناة أقوال وأفعال ؛ وأما الكرامة فهي هبة ومنحة من الله لا تحتاج إلى شيء من المعاناة ؛ والمعجزة كذلك غير أنها لا تُعطى إلا للأنبياء والرسل فقط .

الثاني : أن المعجزة والكرامة لا تظهر على فاسق ، وأما السحر فلا يظهر إلا من فاسق .

الثالث : أن معجزات الأنبياء عليهم السلام على حقائقها ، وبواطنها كظواهرها ؛ وأما السحر والطلسمات فليس فيها شيء خارق للعادة ، بل هي عادة جرت من الله بترتيب مسبباتها على أسبابها .

الرابع : أن المعجزة لا يمكن إبطالها ، أما السحر فإنه يمكن إبطاله .

الخامس : أن السحر يوجد من الساحر وغيره ، وقد يوجد جماعة يعرفونه ويمكنهم الإتيان به في وقت واحد ، وأما المعجزة فلا يمكن أن يأتي أحد بمثلها .

"فتح الباري" ج (1) ص (223) ، "الفروق" للقرافي ج (4) ص (168،170) ، "أحكام القرآن" للجصاص ج (1) ص (49) ، "مقدمة ابن خلدون" ص (934) ، "تفسير القرطبي" ج (2) ص (33) ، "عالم السحر والشعوذة" للأشقر ص (74-79) ، "الوقاية والعلاج" للشايع ص (79-80) .

علاقة العين بالسحر :

إنّ الساحر والحاسد يشتركان في أن كل واحد منهما يقصد الشر ، لكنَّ الحاسد بطبعه ونفسه وبغضه للمحسود ، والساحر بعلمه وكسبه وشركه واستعانته بالشياطين .

والشياطين تعين الحاسد والساحر ، ولكنَّ الحاسد تعينه الشياطين بلا استدعاء منه للشيطان لأن الحاسد من جند إبليس ، وأما الساحر فهو يطلب من الشيطان أن يعينه ، وربما يعبده من دون الله حتى يقضي له حاجته . ولهذا قرن الله تعالى في سورة الفلق بين الاستعاذة من شرّ الحاسد وشر الساحر فقال:{وَمِن شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ }الفلق: ٥  قاله ابن القيم . وفي هذه الآية فائدة : حيث عرَّف النفاثات ، ونكّر ما قبلها وما بعدها ، وهي أنَّ كل نفاثة – ساحرة- لها شر وليس كل فاسق وحاسد له شر . قاله أبو زكريا الأفغاني .

والمقصود أن العائن والساحر يوقعان الضرر ، فهما يشتركان في الأثر ويختلفان في الوسيلة.

"بدائع الفوائد" لابن القيم ج (2) ص (200) ، "فتح الرحمن" للأفغاني ص (634)

"عالم السحر والشعوذة" للأشقر ص (80-82) ، "كيف تعالج مريضك بالرقية الشرعية" لعبد الله السدحان ص (39-40) .

أنواع السحر :

إن السحر أنواعه متعددة ، وطرائقه متنوعة ، وقد عدّها الفخر الرازي ثمانية أنواع ، كما ذكر ذلك الحافظ ابن كثير في تفسيره ، والراغب الأصفهاني عدّها أربعة أنواع . ولعل السبب الحقيقي في جعل كثير من الأمور قبيل السحر ، لأن تلك الأنواع مما يصح أن يطلق عليها سحراً باعتبار المعنى في اللغة حيث خفاءها ولطافة مدارِكها ؛ كما أفاده الحافظ ابن كثير في تفسيره .

والتحقيق أن السحر على ثلاثة أنواع :

1- السحر الحقيقي : وهو ما له حقيقة ووجود يضر في الأبدان والأرواح والقلوب ، منه ما هو يمرض ، ومنه ما هو يقتل ، ويفرق بين المرء وزوجه ، ويجمع بينهما وهو الصرف والعطف

2- سحر التخييل : وهو ما ليس له حقيقة ولا وجود ، وإنما هو مجرد تخييل وإيهام على الأعين والأبصار ، يظن الأمر كذا وكذا ، حسب ما يراه ، والحقيقة ليست كذلك ؛ ومثاله : سِحْر سَحرَة فرعون ، حيث جاءت النصوص صريحة بأنه كان تخييلاً وأخذاً بالعيون{قَالَ بَلْ أَلْقُوا فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى }طه: ٦٦{قَالَ أَلْقُوْاْ فَلَمَّا أَلْقَوْاْ سَحَرُواْ أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ}الأعراف: ١١٦ قاله ابن كثير ؛ ومنه والله أعلم ما يجيء به الدجال ، ففي صحيح مسلم عن حذيفة مرفوعاً : « معه جنة ونار ، فناره جنة ، وجنته نار » وفي رواية : « إن الدجال يخرج وإن معه ماءً وناراً ، فأما الذي يراه الناس ماءً فنار تحرق ، وأما الذي يراه الناس ناراً فماءٌ بارد عذب ؛ فمن أدرك ذلك منكم فليقع في الذي يراه ناراً ، فإنه ماءٌ عذب طيب » .

ويرى الطبري أن ما يفعله السحرة من التفريق بين المرء وزوجه ، هو من سحر التخييل .

3- السحر المجازي : ومنه ما يقع من الأعمال العجيبة ، والحيل العلمية ، والاكتشافات الحديثة ، ومعرفة خواص المخلوقات والمعادن والتركيبات الهندسية ، يقوم السحرة من خلالها بخدع الجماهير من خلال الاستعراضات البهلوانية ، وهي قائمة على خفّة اليد والكذب والنصب والاحتيال وأكل أموال الناس بالباطل ، وهي التي تُقدّم على شاشة التلفاز وغيره ، ومن ذلك ما يفعله بعضهم من إيقافه لصنم من حديد في الهواء ، وذلك بما جعله من قوى الجذب المغناطيسية من حوله ، ثم قال لقومه : هذا إلهكم فعبدوه من دون الله . وكذلك مع يفعله بعضهم في صالة العرض ، حيث يأمر جميع المشاهدين بإخراج ساعاتهم ، ثم يمد يده إلى أية ساعة منها دون أن يلمسها ، ويأمرها بالوقوف عن الدَّوران فتتوقف وهكذا يعمل مع بقية الساعات ، والسر في هذا أن المشعوذ قد اشتمل على نوع قوي من أنواع المغناطيس الصغير ، ووضعه على ذراعه تحت جلبابه أو قميصه بحيث لا يراه المشاهدون ، فعندما يقترب من أي الساعات تتوقف عن الدوران في الحال ، والواقع أنه تمويه سببه الجاذبية المغناطيسية ، وكذلك ما يفعله بعضهم من أخذ حمامة حية ولوي رقبتها بيده ، حتى يبدوا أنها ماتت ثم يضربها بعد دقائق فتقوم وتطير ، والسرّ في هذا أنه يمسك الحمامة موهماً الناس أنه يلوي رقبتها ، وهو في الحقيقة مشتغل بتشميم الحمامة البنج الذي في يده ، فتفقد الحمامة شعورها ، فيظن الناس أنها ماتت خنقاً ، ويضربها بعد ذلك فتفيق من البنج فتطير .

وكذلك يفعل مع الرجال والنساء ، فضلاً عن الحيوانات . وكذلك استخدام الساحر حبلاً على شكل أفعى في الطول واللون والجسم ، ويقول بتحريك الحبل بواسطة آلة تحركه .

وكذلك ما يفعله بعضهم يخرج إلى المشاهدين ، وقد قام بدهان وجهه بمادة أكسيد البزموت ، فتعطي وجهه رونقاً وجمالاً ، كما تفعله بعض النساء للزينة ، ثم يضع المشعوذ أمامهم إناء مليئاً بالماء ممزوجاً بمادة الهيدروجين ، ثم يدَّعي أنه يشم ذلك الماء ، فيتحول وجهه فجأة من البياض إلى السواد ، وذلك نتيجة التفاعل الكيماوي بين المادتين ؛ وكذلك ما يفعله بعضهم ، حيث يمسك سيفاً طويلاً ، ثم يعرضه على المشاهدين ، ثم يطعن به أحد مساعديه في بطنه فيخرج من ظهره ملوثاً بالدماء ، ومع ذلك المطعون تجده حياً لم يمت ، والسر في هذا أن المشعود يلبس مساعده حزاماً ملفوفاً إلى نصفه بماسورة معدنية على شكل نصف دائرة مفتوحة ، تحت ملابس المساعد ، ثم يخترق السيف الحزام ، ماراً بالماسورة ، ويخرج من نهايتها عند ظهره ، ماراًً بفقاعة مملوءة بسائل لونها أحمر يشبه الدم ، فتنفجر ويخرج السيف ملوثاً بالدماء .

وكذلك ما يفعله بعضهم من دخول النار ، ثم يخرجون منها ، وهم أحياء لم يحترقوا ، والسرّ في هذا أنهم دهنوا جلودهم بمواد لها خاصية مقاومة للنار ، ولبسوا ثياباً لا تحرقها النيران .

وغير ذلك كثير ، غير أنّ بعضه قد يكون بمساعدة الشياطين . وهذا لا شك أنه حرام ، وفساد وخبث ، يُلبَّس به على ضعفاء العقول ، وهذا ليس من التخييل فهو يختلف عنه .

ومن السحر المجازي هذا : السعي بالنميمة والوشاية بها ، وإفساد العلاقة بين العباد ، كما أفاده ابن كثير والرازي والجصاص وصديق حسن خان ، ووجه ذلك : أنها تفعل ما يفعل الساحر من التفريق بين الناس والتحريش بينهم ، بوسيلة خفية كاذبة ، وهذا يُشبه السحر بالتفريق ؛ وفي الحديث : قوله r : « إنّ أحبكم إلى الله أحاسنكم أخلاقاً ، الموطَّئون أكنافا ًالذين يألفون ويُؤلفون ، وإن أبغضكم إلى الله المشاؤون بالنميمة ، المفرِّقون بين الإخوان ، الملتمسون للبراء العثرات » أخرجه الطبراني وابن أبي الدنيا عن أبي هريرة مرفوعاً ، وله شاهد عند أحمد في المسند من حديث عبد الرحمن بن غنم ، وفيهما ضعف ، ولعله يكون حسناً ، قاله الألباني ، غير أن النميمة محرمة وكبيرة من كبائر الذنوب .

ومن السحر المجازي هذا : البيان ، لقوله r : « إن من البيان لسحراً » أخرجه البخاري – والمعنى : أن من ذلك بعض الفصاحة ، أي من السحر بعض الفصاحة ، فالمتحدث بلسان البريق ذا البيان ، قد يسرق الهمم ، ويُلهبُها بما أُوتي من قوة ألفاظِ وجزالة عبارات والبيان من حيث هو بيان ، لا يمدح عليه ولا يذم ، ولكن ينظر إلى أثره ، فإن كان المقصود منه رد الحق وإثبات الباطل فهو مذموم ، وإن كان المقصود منه إثبات الحق وإبطال الباطل فهو ممدوح .

"تفسير ابن كثير" ج (1) ص (209-212) ، "فتح الباري" ج (10) ص (222) ، "مفردات الراغب" للأصفهاني ص (400-401) ، "تفسير الطبري" ج (1) ص (463) ، شريط "السحر والكهانة" لعبد العزيز العبد اللطيف .

"قواعد الرقية الشرعية" للسدحان ص (41-42) ، "شرح النووي على مسلم" ج (18) ص (274-275) رقم (2934 ، 2935 ) ، "عالم السحر" للأشقر ص (101 ، 126-127 ، 129 ، 131-132 ، 138 ، 140 ، 142 ، 144-145 ، 147) .

"القول المفيد على كتاب التوحيد" لابن عثيمين ج (2) ص (40-46) ، "غاية المرام" للألباني ص (248-249) رقم (434) .

المدى الذي يبلغه الساحر بسحره :

أيه الأحبة في الله : لا بد لنا جميعاً أن ندرك المدى الذي يبلغه الساحر بسحره ، حتى نقف على حقيقة قدرة الساحر ؛ وقبل ذلك لا بد أن نعلم أنّ السحر إنما يتم بعبادة الشيطان والتزلف إليه بالشرك والذنوب والمعاصي ، وبهذا تتحقق معونة الشيطان للساحر ؛ فإذا ثبت هذا وجب علينا أن نتعرف على قدرات الشياطين لنعرف المدى الذي يمكن للساحر أن يبلغه بسحره .

إن عالم الجن والشياطين ، منهم الكافر ومنهم المؤمن ، ولديهم القدرة على الانتقال السريع في أقطار الأرض ، والصعود في أجواء الفضاء ، وهم في انتقالهم يستطيعون حمل الأثقال العظيمة ، كما أن لديهم القدرة على التشكل بأشكال مختلفة ، فقد يتشكلون في صورة بشر أو حيوان أو أفعى ونحو ذلك ، كما أنّ لدى الشياطين كثيراً من العلم ، فهم يعلمون الكثير عن تكوين الإنسان وما يمرضه وما يصلحه ، كما يعلمون الكثير من خصائص العناصر والمخلوقات .

فالشيطان إما بنفسه أو بما لديه من علوم قد يسلَّط على بعض الناس بالأمراض والأسقام وإزالة العقل وتعويج العضو ، كما يستطيع أن يحمل الساحر ويرفعه في الهواء ، ويخرج به من الأماكن الضيقة ، ويجري به على خيط مستدق ، ويسقطه على بعض القرى والبلاد .

كما يستطيع الجن معالجة بعض الأمراض ، كما يعالجها البشر ، كالصمم والصلع وأمراض القلوب والأمعاء ونحو ذلك ؛ وقد يتمثل الشيطان في صورة الإنسان القتيل ، ويقوم ويمشي ويتحرك ويأكل ويشرب ، وقد يتلبّس الشيطان بالحيوان وينطق من جوفه ، فيظن السامع أن الحيوان هو الذي ينطق ويتكلم ومما ينبغي التنبيه عليه : أن الشياطين لا تستطيع إحياء الموتى ، ولا إنطاق العجماء ، ولا تحويل الإنسان حماراً ، ولا الحمار إنساناً ، ولا أن تأتي بمثل معجزات الأنبياء ، فلا تستطيع شق القمر ، ولا فلق البحر ، ولا اختراع طعام ، ولا إخراج ناقة من صخر ، فالشياطين أقلُّ وأذلُّ من أن يستطيعوا مثل هذا ، والذين يجوزّون ذلك ليس معهم دليل من عقل أو نقل ؛ وما يفعله الساحر من ذلك إنما هو تخييل وإيهام ليس حقيقة .

بعد هذا كله ، نجزم ونقول : للجان قدرة لا يستطيعون تجاوزها ، والساحر الذي يستعين بالشياطين لا يمكن أن يبلغ بسحره فوق القدرة الذي تبلغه قدرة الثقلين والله أعلم .

"عالم السحر والشعوذة" للأشقر ص (154-156 ، 158 ، 161-162)

حقيقة السحر وتأثيره :

إن السحر الذي نتحدث عنه،نجزم بأنّ له حقيقة وتأثير،ونرى بأن الذين قالوا بأن السحر كله حقيقة جانبوا الصواب فيما ذهبوا إليه،والذين زعموا أن السحر كله تخييل لا حقيقة له جانبوا الصواب أيضاً،والذين أصابوا كبد الحقيقة هم أولئك الذين قالوا:إن السحر منه ما هو حقيقة،ومنه ما هو لا حقيقة له وإنما هو تخييل.ومن الأدلة على حقيقته وتأثيره{ وَاتَّبَعُواْ مَا تَتْلُواْ الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَـكِنَّ الشَّيْاطِينَ كَفَرُواْ يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولاَ إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلاَ تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُم بِضَآرِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُواْ لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاَقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْاْ بِهِ أَنفُسَهُمْ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ} البقرة: ١٠٢ ففيها أن الشياطين يعلِّمون الناس السحر ، وأن الناس يتعلمون منهم ، وإذا لم يكن للسحر حقيقة فماذا يعلِّمون ؟ وماذا يتعلم الناس ؟ ويكفي في ذلك أن الساحر يفرِّق بسحره بين المرء وزوجه ، وأنه يضر بسحره الناس {وَمِن شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ} الفلق: ٤  والنفاثات هن الساحرات اللواتي يعقدن في سحرهن ، وينفثن عليه ، فلولا أن للسحر حقيقة لما أمر الله بالاستعاذة منه .

وما ثبت في صحيحي البخاري ومسلم ، من حديث عائشة رضي الله عنها : من أن لبيد بن الأعصم وقد كان يهودياً حليفاً لبني زريق ، سحر الرسول r ، حتى إنه يخيل إليه أنه يفعل الشيء وهو لا يفعله ، ثم شفاه الله وعافاه ، حيث قال r فيه : « إن الله شفاني » والشفاء إنما يكون برفع العلة والمرض ، فدل على أن له حقاً وحقيقة ؛ ومن أقوى الأدلة بعد النصوص ، ووجوده ومشاهدة الناس له على مرّ العصور ، وقد شاهد الناس السحرة في كل عصر ومصر يطيرون في الهواء ويمشون على الماء ، فضلاً عن الأمراض والأسقام والأوجاع التي تصيب المسحورين إذا سُحروا ، وإلى هذا القول – أعني أن السحر له حقيقة وتأثير- هو قول أهل السنة والجماعة ، وبه قطع الجمهور ، وعليه عامة العلماء ، وهو الصحيح ، وإليه ذهب الشافعي وأحمد ، واختاره القرطبي والنووي والخطابي وابن قدامة وابن القيم ]

"بدائع الفوائد" ج (2) ص (193-195) ، "عالم السحر" للأشقر ص (99 ، 91-93 ، 89 ، 90 ) ، "الوقاية والعلاج" للشايع ص (82-85) ، "الصارم البتار" لوحيد عبد السلام بالي ص (43-48) .

سحر الرسول r :

أحبتي في الله : قبل أن أنتقل إلى موضوع آخر، أود أن أقدِّم نبذة مختصرة عما وقع للرسول r من السحر . قامت رؤساء اليهود إلى لبيد بن الأعصم ، وكان من أسحر اليهود زنديقاً منافقاً ، وطلبوا منه أن يعمل سحراً له r وجعلوا له ثلاثة دنانير ، ففعل ذلك ، واستطاع أن يحصل على مشط النبي r الذي يسرِّح به شعر رأسه ولحيته ومشاقه وهي مراطة رأسه "الشعر المتساقط" عن طريق جارية صغيرة أو بنات لبيد بن الأعصم أو غلامٍ يهودي ، وعقد عليها سحراً له ، ووضع السحر في جفِّ طلعة نخلةٍ ذكر ، والجف هو الغشاء الذي يكون على الطلع ، ليكون أقوى وأشد تأثيراً ، ثم دفنه تحت راعوفة يعني صخرة صلبة لا يُستطاع نزعها فتترك ، وذلك في بئر ذي أروان بالمدينة النبوية . ومكث النبي r في سحرة ستة أشهر على الصحيح ، ثم دعا r ربه وألحَّ في الدعاء وكرره ثلاثاً ثم أنبأه الله بمرضه ، أجابه فيما دعاه ، وأنزل ملكين واحد عند رأسه وهو جبريل عليه السلام وآخر عند رجليه وهو ميكائيل عليه السلام ، ودار بينهما حديث في سبب مرض النبي r وهو أنه مطبوب يعني مسحور ومن طبّه يعني منْ سحره ، وبأي شيء سحرهَ ، ومكان وضع السحر ، كلُّ ذلك وقع بين جبرائيل وميكائيل السائل ميكائيل والمسئول هو جبرائيل ، والنبي r كان نائماً ، ثم انتبه r من نومه ، وبعث إليها يعني البئر علياً وعماراً وجبير بن إياس الزرقي ، ومعهم قيس بن محصن الزرقي ، حيث باشر السحر بنفسه واستخرجه بمعونة جبير بن إياس ثم توجّه r إلى البئر فشاهدها بنفسه . فلما رجع إلى عائشة وأخبرها ، وقال : والله لكأن ماءها يعني البئر نُقاعة الحناء ، أي قد تغير لونها فصار فيه حُمرة أو خضرة بسبب ما يلقى فيها ، وكأنه رؤوس نخلها الشياطين ، يعني نخلها الذي يشرب من مائها قد التوى سعفه كأن رؤوس الشياطين ، أراد أنها قبيحة المنظر وحشة الأشكال .

ثم سألته عائشة : أفلا استخرجته تعني بذلك ما حوى الجف لا الجف نفسه ، فقال : لا . وكأنّ السرَّ في ذلك أن لا يراه الناس ، فيتعلمه من أراد استعمال السحر ، فيكون فيه ضرر على المسلمين من تذكر السحر وتعلمه ، وهو من باب ترك المصلحة خوف المفسدة ، فكأنها طلبت أنه يخرجه ثم يحرقه ، وفيه قوله "فكرهت أن أُثير على الناس فيه شراً" ثم أمر r بالبئر فدُفِنت ثم قام الحارث بن قيس فهوّرها يعني هدمها . والنبي r لم يقتل لبيد بن الأعصم على الأصح ، ولما قيل لرسول الله r : لو قتلته ، قال : ما وراءه من عذاب الله أشد . ولعل السبب في ذلك هو خشيته r أن يثير بسبب قتله فتنة وهو خوف وقوع شر بينهم وبين اليهود لأجل العهد ، أو لئلا ينفر الناس عن الدخول في الإسلام ، وهو من جنس ما راعاه النبي r من منع قتال المنافقين ، حيث قال : « لا يتحدث الناس أن محمداً يقتل أصحابه » .

هذا الحديث – أعني حديث عائشة في قصة سحر النبي r من لبيد بن الأعصم – هو في صحيح البخاري ومسلم وفيه زيادات وروايات أخرى ثابتة . وهو حديث صحيح سنداً ومتناً وهو وإن كان حديث آحاد ، فالصحيح من أقوال العلماء أن أحاديث الآحاد تقبل في مسائل الاعتقاد كما تقبل في المسائل العلمية . والقول بأن حديث الآحاد لا يقبل في مسائل الاعتقاد قول محدث لا دليل عليه صحيح ، وقد رواه أكثر من واحد من الصحابة ، ورواه عنهم علماء أجلاء بلغوا الغاية في الحفظ والعدالة ، ولم يطعن في صحته أحد من العلماء المعتبرين وهذا الحديث لا يقدح في مقام النبوة والرسالة ، بل ولا السحر هذا وغيره من الأمراض والعلل والإصابات والإغماء والتي أصابت الرسول r تتجاوز ذلك إلى تلقي الوحي عن الله تعالى ولا إلى البلاغ عن ربه إلى العالمين لقيام الأدلة من الكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة على عصمته r في تلقي الوحي وبلاغه وسائر ما يتعلق بشؤون الدين كما قال تعالى : { إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} الحجر: ٩  وأما بالنسبة إلى الأعراض البشرية كالأمراض والآلام ، فالأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم يعتريهم من ذلك ما يعتري البشر ، لأنهم بشر كما قال تعالى عنهم :{قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِن نَّحْنُ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ وَلَـكِنَّ اللّهَ يَمُنُّ عَلَى مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ } إبراهيم: ١١ فظهر بهذا أن السحر إنما هو في جسده وظاهر جوارحه،لا على عقله وقلبه،ولذلك لم يكن يعتقد صحة ما يُخيِّل إليه من إتيان النساء،بل يعلم أنه خيال لا حقيقة له ومثل هذا قد يحدث من بعض الأمراض وليس بصحيح أن هؤلاء الشياطين لا يُسلَّطون على رسل الله ،بل الرسل وسائر العباد في ذلك سواء،وقول الله تعالى :{إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ } الحجر: ٤٢ أي في الإغواء والإضلال،وإلا فالشيطان يصيب العباد في أبدانهم ،ومن ذلك قول أيوب عليه السلام:{أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ}ص: ٤١.[ وما جاء في كتاب الله تعالى،ليس فيه مناقضة لهذا الحديث، أمثال قوله تعالى– {إِن تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلاً مَّسْحُوراً} الفرقان: ٨{ إِنَّمَا أَنتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ} الشعراء: ١٥٣{ إِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا مُوسَى مَسْحُوراً} الإسراء: ١٠١ والمعنى أنه مسحور، يعني أنه عالم بالسحر،كما قال قوم فرعون لموسى{ إِنَّ هَـذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ} الأعراف: ١٠٩ وأن النبي إنما كان يصدر عن جنون وخيال في كل ما يقول ويفعل وأنه ليس برسول .

إذا ثبت هذا فالمذهب الحق هو ما ذهب إليه أهل السنة والجماعة ، من إثبات سحر النبي r ومن أنكر وقوع ذلك فقد خالف الأدلة السابقة وإجماع الصحابة وسلف الأمة ، متشبثاً بشبه وأوهام لا أساس لها من الصحة ، فلا يعوّل عليها .

"فتح الباري" ج (1) ص (226-232 ، 234-235) ، "بدائع الفوائد" لابن القيم (2) ص (189-193) ، "زاد المعاد" (4) ص (126) ، "فتح الباري" ج (10) ص (226-227) ، "الصارم البتار" ص (34-36) ، "فتاوى اللجنة الدائمة" جمع الدويش ج (1) ص (380-381) ، "عالم الجن والشياطين" للأشقر ص (85) ، "الوقاية والعلاج" للشايع ص (92) ، "عالم السحر" للأشقر ص (182-188) .

تعلم السحر وتعليمه :

أيه الإخوة المؤمنون : إنّ السحر الذي نتحدث عنه ، حرامٌ تعلُمه وتعليمه ، ولا فرق بين من تعلَّمه ليكون ساحراً أو تعلمَّه ليُحبّبَ المرأة إلى زوجها ، أو للتفريق بين المجتمعين على شر ، أو لتمييز ما فيه كفرٌ من غيره ، أو لإزالته عمن وقع به ، أو حتى السحر المجازي ، لما فيه من إفساد عقائد العامة ، وتلبيس الأمور على الناس ، فلربما اعتقد الناس في الساحر شيئا من صفات الربوبية فيهلكوا بذلك إذا شاهدوا ما يفعله الساحر من أمور غريبة ، فيها خفّة يد وكذب وتدجيل ، لعموم قوله تعالى:{وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولاَ إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلاَ تَكْفُرْ} البقرة: ١٠٢ففيها التصريح على أنَّ تعلم السحر كفر،وقوله:{وَلَـكِنَّ الشَّيْاطِينَ كَفَرُواْ يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ }البقرة: ١٠٢ فسبب كفر الشياطين أنهم علموا الناس السحر وما للشيطان الملعون غرض في تعليمه الإنسان السحر إلا ليشرك به ، حيث لا يتأتى هذا التعلم إلا بالكفر بالله والشرك به وهذا هو الصحيح ، وبه قطع جماهير العلماء ، وهو ما اختاره ابن كثير وابن جرير وابن حجر والذهبي والنووي والقرطبي وغيرهم ، ويحسن التنبيه إلى حديث متداول بين الناس ، يدل على جواز السحر، وهو « تعلّموا السحر ولا تعملوا به » فهو حديث مكذوب ، لا يصح "اللجنة الدائمة للبحوث" .

"عالم السحر" للأشقر ص (215-224) ، "فتاوى اللجنة الدائمة" جمع الدويش

ج (1) ص (367-368) .

حكم الساحر وعقوبته :

أحبتي في الله : إنَّ السحر الذي عمَّ وطمّ ، وتضرّر منه خلق كثير في أبدانهم وأرواحهم ودينهم في جميع بلاد العالم ، هو في الحقيقة خرق لهذا التوحيد ، فهو إبطال لتوحيد الربوبية ، فالساحر ومن يذهب إليه يظن أن النفع والضر بيد شياطين الإنس والجن ؛ وإبطال لتوحيد الإلوهية ، فالساحر ومن يذهب إليه ، ربما وقعوا في شيء من صرف العبادة لغير الله عز وجل .

كل ذلك أدى إلى أن تكون عاقبة الساحر رادعة وقوية وشديدة ، فعند غير المسلمين بذلت كثير من الدول قصارى جهدها للخلاص من السحرة ، ففرضت عليهم أقسى العقوبات ، ونالتهم بالتعذيب والتنكيل وإنزال العقوبات بهم وبذريتهم ، فكانت كل من فرنسا وألمانيا وإيطاليا تحكم على السحرة بالإعدام حرقاً ، وفي استكلندا كانوا يعاقبونهم بإلقائهم في إناء حديدي كبير مملوء بالقار المغلي ، وكانت انجلترا وبعض دول أوربا تعدمهم شنقاً أمام الجمهور ، وكان عقاب الساحر أو الساحرة في أمريكا الإعدام شنقاً في أقرب شجرة بالطريق .

وأما حكم السحرة وعقوبتهم عند المسلمين ، فهي محل خلاف بين العلماء ، ولعل الصواب هو وجوب قتل الساحر مطلقاً ، فمن خرج به السحر إلى الكفر فقتله قتل ردة ، ومن لم يخرج به السحر إلى الكفر فقتله قتل حد ، والقول بقتل السحرة موافق للقواعد الشرعية ، لأنهم يسعون في الأرض فساداً ، وفسادهم من أعظم الفساد ، فقتلهم واجب على الإمام ، ولا يجوز للإمام أن يتخلف عن قتلهم ، لأن مثل هؤلاء إذا تُرِكوا وشأنهم انتشر فسادهم في أرضهم وفي أرض غيرهم ، وإذا قُتِلوا سَلِم الناس من شرهم ، وارتدع الناس عن تعاطي السحر ، كل ذلك بدون استتابة على الصحيح ، لضررهم وفظاعة أمرهم ، ولم يُنقل عن واحد من الصحابة من الذين قتلوا السحرة أنهم استتابوهم .

وهذا في الدنيا حيث إذا ثبتت التوبة سقط القتل فأما فيما بينه وبين الله تعالى ، وسقوط عذاب الآخرة عنه فإذا تاب تاب الله عليه ، وقبل توبته ، أما في الدنيا فلا تُقبل ويقام عليه القتل ؛ ومن الأدلة على كفر الساحر وأنه يُقتل مطلقاً آية البقرة{وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولاَ إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلاَ تَكْفُرْ} البقرة: ١٠٢وقوله:{وَلَقَدْ عَلِمُواْ لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاَقٍ} البقرة: ١٠٢ فاليهود اشتروا السحر بالتوراة ، فليس لهم في الآخرة من حظ ولا نصيب ، والذي لا حظ له ولا نصيب بالكلية هو الكافر.وقوله تعالى:{ وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى} طه: ٦٩ فنفي الفلاح هنا كلياً عاماً ، لا يكون إلا في حق الكافر . وفي سنن أبي داود بسند صحيح عن بَجَالة بن عَبدة ، قال : كتب عمر بن الخطاب أنِ اُقتُلوا كل ساحر وساحرة ، قال : فقتلنا ثلاث سواحر ؛ وفي موطأ مالك بسند صحيح أيضاً : أن حفصة أَمَرت بقتل جارية لها سحرتها ؛ وفي سنن الترمذي بسند صحيح أيضاً : قول جندب الخير : ( حد الساحر ضربُهُ بالسيفِ ) .

وإلى هذا القول – أعني قتل الساحر بدون استتابة – هو قول جماهير العلماء ، وبه قال عمر وابنه عثمان وحفصه وأبو موسى الأشعري ، وهو مذهب الأئمة الثلاثة أبو حنيفة ومالك وأحمد ، وهو ما تفتي به اللجنة الدائمة للبحوث العلمية برئاسة ابن باز .

وأختم حديثي عن هذه النقطة بما اشتهر عند فئام من الناس كثير ، يوم أن تحصل نزاعات فيما بينهم ، وخاصة عند الخطبة والزواج ، أو لعداوة فيما بين الأقارب ونحوهم ، من الذهاب إلى السحرة ، للتسبب في إيقاع الأذى والمضرّة بفلان أو علان أو فلانة أو علانة ، فيأخذوا منه سحراً ويضعونه له في شراب وأكل أو لباس أو في بيت أو نحو ذلك ، كل ذلك حرام ، طلبه حرام ، وتعاطيه حرام ، وعلى كل من تسبّب في هذا إثم عظيم وجرم كبير بقدر ما فعلوا ، قال تعالى  {وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَاناً وَإِثْماً مُّبِيناً} الأحزاب: ٥٨ وهو ما تفتي به اللجنة الدائمة برئاسة ابن باز .

"عالم السحر" للأشقر ص (227 ، 236-241) ، شريط "السحر والكهانة" لعبد العزيز العبد اللطيف ، "القول المفيد" لابن عثيمين ج (2) ص (25-26) ، "فوائد من شرح ابن جبرين" ص (75) رقم (142) ، "عالم السحر" للأشقر ص (243) ، "الدر النضيد" للعصيمي ص (84-86) برقم (59-61) ، "فتاوى اللجنة الدائمة" جمع الدويش ج (1) ص (369-371) .

علاج السحر :

أحبتي في الله : بعد هذا العرض الطويل ، أودّ أن أُقدِّم نُبذاً مختصرة في علاج السحر ، ويستطيع المسلم من خلالها ، ممن أُصيب بهذا الداء ، أن يعمل بها ويعض عليها بالنواجذ ، ليُشفى من مرضه بطريقة شرعية سليمة ، وأحب أن ألفت أنظاركم إلى أن الأمم غير المسلمة لها طرق في محاربة السحر والوقاية منه وإزالته ، وهي متمثلة بالرقة والتعاويذ والطلاسم ، وكلها مصتبغة بالكفر والشرك والعبودية للشيطان وبذلك يظهر لنا نحن المسلمون ، مدى إضلال الشيطان لبني آدم ، فإنه يضل بعضاً من البشر بامتهانهم السحر ، ويُضل آخرين إذ يلجئهم إليه لحلّ السحر الذي صنعه ، فيا للحسرة والندامة ، يوم أن تستعبد الشياطين بني آدم.

وأما إزالة السحر عند المسلمين ، فأولاً وقبل الحديث في الطرق الشرعية في الوقاية منه ، نقول : حل السحر عن المسحور هو ما يُسمى بالنشرة ، وقد تكون محرّمة وقد تكون جائزة ، وهي نوع من العلاج ، فالنشرة محرمة إذا كانت بسحر مثله ، وهو الذي من عمل الشيطان ، حيث يتقرب الساحر- ومن أراد حل السحر- إلى الشيطان بما يحب من ذبح شيء أو السجود له أو غير ذلك من القُرب ، وفيه معاونة له وإقرار له على عمله ، وهذا شرك ، فإن كان حلُّه بأدوية ورقى وتعاويذ وعقد وتمائم عن طريق الساحر فهي محرمة ولا تصل إلى الشرك ، ويدل لهذا ما رواه أحمد وأبو داود بسند صحيح من حديث جابر أنه r سُئِل عن النشرة ؟ فقال : « هي من عمل الشيطان » وهذا يغني عن قوله إنها حرام ، بل هذا أشد من قوله إنها حرام ، حيث ربطها بعمل الشياطين الذي يقتضي تقبيحها .

وهكذا صح عن ابن مسعود والحسن البصري النهي عن هذا ، وحتى ولو كان المسحور مضطراً لحل السحر بسحرٍ مثله ، فلا يجوز مطلقاً ، حيث فيه ذهاب إلى السحرة أو الكهنة ، وعملٌ بما يقولون ويأمرون ، وهو في الحقيقة تصديقاً لهم ، وهذا حرام ؛ ومن ظن أن الإمام أحمد قد أجاز النُشرة السحرية ، فهو غلطٌ ولا يصح وليس في كلامه ما يدل على ذلك ، لكن لما كان لفظ النشرة مُشتركاً بين الجائزة والمحرمة ، ورأوه قد أجاز النُشرة ، ظنوا أنه أجاز الذي من عمل الشيطان .

والقول بتحريم حل السحر بسحرٍ مثله ، وهو ما نعنيه بالنشرة المحرمة : هو قول ابن مسعود والحسن والإمام أحمد ، وهو ما حقّقه ابن القيم ، ورجحه حافظ حكمي والشيخ سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب والشيخ محمد بن إبراهيم ، وهو ما تفتي به اللجنة الدائمة للبحوث برئاسة عبد العزيز بن باز ؛ وعليه الفتوى السائدة في هذه البلاد من أمثال عبد الله بن جبرين ومحمد بن عثيمين وعبد الله بن قعود وعبد الرحمن البراك .

وأما النشرة الجائزة : فهي ما كانت بكتاب الله تعالى والأدعية والأذكار النبوية الصحيحة والأدوية المباحة ، ويدل لهذا العمومات في الكتاب والسنة ، أمثال : {وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاء وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ وَلاَ يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إَلاَّ خَسَاراً}الإسراء: ٨٢ وقوله r : « تداووا ولا تتداووا بحرام ، فإن الله ما أنزل داء إلا أنزل له دواء » أخرجه أحمد وهو صحيح ، ويحمل عليه ما رواه البخاري في صحيحه مُعلَّقاً عن قتادة قال : قلت لسعيد بن المسيب : ( رجل به طب ، أو يُؤخّذ عن امرأته ، أيُحلُّ عنه أو يُنشّر ؟ قال : لا بأس به،إنما يريدون به الإصلاح ، فأما ما ينفع فلم يُنْه عنه )

"عالم السحر" للأشقر ص (186-195) ، مرجع سابق ص (196- 199 ) ،

"الصارم البتار" ص (87-89) ، "القول المفيد" ج (2) ص (69-75) ،

"الدرر النضيد" ص (101) رقم (75) ،

"اللجنة الدائمة" ج (1) ص (378-379) ، "صحيح سنن أبي داود" ج (2) ص(731) رقم (3264)

الطرق الشرعية في الوقاية من السحر والسحرة :

أيه الأحبة في الله : إنّ خير علاج للسحر ، أن يتّقيه المرء قبل وقوعه وحدوثه ، فالوقاية خير من العلاج ، ومن هذه الطرق : الاستعاذة بالله ، وأفضل ما يُتعوّذ به المعوِّذتان {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ}الفلق: ١ و {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ}الناس: ١  وتقوى الله وحفظه عند أمر الله ونهيه، فمن اتقى الله تولى الله حفظَه ولم يكله إلى غيره {وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً}الطلاق: ٢  وتجريد التوبة إلى الله من الذنوب ، والعلم بأن هذه الآلات بمنزلة حركات الرياح ، وهي بيد محركها وفاطرها وبارئها ، ولا تضر ولا تنفع إلا بإذنه ، والصدقة والإحسان ، فإنّ لذلك تأثيراً عجيباً في دفع البلاء والسحر والحسد ، والإكثار من قراءة القرآن والأدعية المأثورة وقد سمى ابن القيم الرُقى بالقرآن والأدعية المأثورة بالأدوية الإلهية ، وقال : ( فالقلب إذا كان ممتلئاً من الله ، مغموراً بذكره ، وله من التوجهات والأذكار والتعوذات وِردٌ لا يُخلّ به ، يطابق فيه قلبه لسانه ، كان هذا من أعظم الأسباب التي تمنع إصابة السحر له ...) .

وابن القيم في هذا الكلام القيم ، يرشد إلى أن المسلم والمسلمة يجب عليه أن يحصّن نفسه دائماً بالأوراد الإلهية ، والدعوات والأوراد والتعوذات ، وبذلك يتقي السحر قبل وقوعه ، ومنها أذكار الصباح والمساء ، وأذكار نزول المكان ، وما يقال في المأكل والمشرب والملبس والفزع عند النوم والخروج والدخول ونحو ذلك ، ولنعلم جميعاً أيه الإخوة في الله : أنّ سحر السحرة إنما يتم تأثيره في القلوب الضعيفة ، والنفوس الشهوانية ، ولهذا غالب ما يؤثر في النساء والصبيان والجهال وأهل البوادي ، ومن ضَعُف حظه من الدين والتوكل والتوحيد ، ومن لا نصيب له من الأوراد الإلهية والدعوات والتعوذات النبوية ، كما أفاده ابن القيم ، فوجب التنبه لهذا .

ويطيب لنا الآن أن نستعرض وإياكم بعضاً من الطرق المشروعة لإزالة السحر بعد وقوعه ، ومنها الرُقَى والتعاويذ ، كسورة الفاتحة ، لفضلها ورجاء بركتها ، وقد قال r فيها : « والذي نفسي بيده ، ما أنزلت في التوراة ولا في الإنجيل ولا في الزبور ولا في الفرقان مثلُها ، وإنها سبع من المثاني ، والقرآن العظيم الذي أعطيتُه » أخرجه الترمذي وغيره عن أبي هريرة مرفوعاً وهو صحيح .

و {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} الإخلاص: ١ و {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ}الفلق: ١ و{ ُقلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ1}الناس: ١ ففي سنن الترمذي وغيره من حديث عبد الله بن خُبيب بسند صحيح أنها تكفي من كل شيء .

ويقول صديق حسن خان : ( وللمعوذتين أثر عظيم في إزالة السحر ، فمن داوم على قراءتهما في الأيام والليالي لا يضره السحر بإذن الله تعالى ، وإذا قرأهما المسحور زال أثره إن شاء الله تعالى ) ولما كان المسحور فيه شيطان ، فينبغي طرده ومحاربته بخواص بعض السور والآيات ، كسورة البقرة كاملة ، ففي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة مرفوعاً : « لا تجعلوا بيوتكم مقابر ، إنّ الشيطان ينفر من البيت الذي تقرأ فيه سورة البقرة » وآية الكرسي ، وفي صحيح البخاري أن شيطاناً قال لأبي هريرة : « إذا أويت إلى فراشك فاقرأ آية {اللّهُ لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ } البقرة: ٢٥٥  حتى تختم الآية ، فإنك لن يزال عليك من الله حافظ ، ولا يقربنك شيطان حتى تصبح » فقال r لأبي هريرة : « أما إنه صدقك وهو كذوب » والآيتين الأخيرتين من سورة البقرة : { آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ } البقرة: ٢٨٥  ففي صحيح البخاري عن أبي مسعودٍ مرفوعاً : « من قرأ بالآيتين من آخر سورة البقرة في ليلة كفتاه » أي كفتاه من كل شيء حتى شر الشيطان وشر الإنس والجن ، يدل لهذا ، قوله r : « إن الله كتب كتاباً قبل أن يخلق السموات والأرض بألفي عام ، أنزل منه آيتين ختم بهما سورة البقرة لا يُقرآنِ في دارٍ ثلاثَ ليالٍ فَيقرَبها شيطان » أخرجه الترمذي وغيره عن النعمان بن بشير مرفوعاً وهو صحيح .

والآيات التي يتضمن لفظها إبطال السحر ، كقوله تعالى كما في سورة الأعراف {فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ* فَغُلِبُواْ هُنَالِكَ وَانقَلَبُواْ صَاغِرِينَ} الأعراف: 118-119 وكما في سورة يونس{ قَالَ مُوسَى مَا جِئْتُم بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللّهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اللّهَ لاَ يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ} يونس: ٨١ وكما في سورة طه{إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى} طه: ٦٩ وغيرها من آيات القرآن ، وخاصة آيات الشفاء ، أمثال { وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ} التوبة: ١٤{وَشِفَاء لِّمَا فِي الصُّدُورِ }يونس: ٥٧ {فِيهِ شِفَاء لِلنَّاسِ } النحل: ٦٩{وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ} الشعراء: ٨٠ { وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاء وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ }الإسراء: ٨٢.

وأما الدعوات : « اللهم رب الناس ، أذهب البأس ، إِشفِ أنت الشافي ، لا شفاء إلا شفاؤك ، شفاءً لا يُغادِرُ سقماً » و « بسم الله أرقيك ، من كل شيءٍ يؤذيك ، ومن شر كل نفسٍ أو عين حاسد ، الله يشفيك ، بسم الله أرقيك » و « أعوذ بكلمات الله التامة ، من كل شيطان وهامة ، ومن كل عين لامَّه » و « أسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن يشفيك » و « بسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء في الأرض ولا في السماء وهو السميع العليم » وغيرها من الدعوات .

وهذه الأذكار والتعوذات من أعظم الأسباب في اتقاء شر السحر وغيره من الشرور ، لمن حافظ عليها بصدق وإيمان وثقةٍ بالله واعتمادٍ عليه وانشراحِ صدرٍ لما دلت عليه ، وهي أيضاً من أعظم السلاح لإزالة السحر بعد وقوعه مع الإكثار من الضراعة إلى الله وسؤاله سبحانه أن يكشِف الضرر ويزيل البأس . قاله ابن باز .

ومن الطرق كذلك : استخراج السحرِ وإبطالُه ، وهو من أنفع العلاج ، بأن يبذل جهده في معرفة موضع السحر من أرض أو جبل أو غير ذلك ، فإذا عُرِف واستُخرج وأُتلف بطل السحر ، قاله ابن باز .

ومن الطرق أيضا : العلاج باستعمال الحجامة ، وهو كما ذكر ابن القيم ، نوع من أنواع التداوي ، وهو الاستفراغ في المحل الذي يصل إليه أذى السحر ، وهو نافع جداً إذا استعملت على القانون الذي ينبغي [ وما ورد أن النبي r احتجم على رأسه بقرن حين طُب أي سُحِر ، فهو لا يصح] وابن القيم نص هذا الرأي ، ويبدوا أنه تكلم عن سابق تجربة ، ولهذا ورد في الحديث قوله r : « خير ما تداويتم به الحجامة » أخرجه البخاري ومسلم .

ومن الطرق أيضا : استعمال الأدوية المباحة ، ومن ذلك أن يتناول المرء في صبيحة كل يوم سبع تمرات عجوة ، ففي حديث عامر بن سعد عن أبيه قال قال رسول الله r : « من اصطبح كل يوم تمرات عجوة لم يضره سم ولا سحر ذلك اليوم إلى الليل » أخرجه البخاري في صحيحه .

والعجوة نوع من التمور يُعرف بعجوة المدينة وهو من أجودها ، وهو مخصّص بها دون غيرها ، كما أفاده النووي . وقال الخطابي : كون العجوة تنفع من السم والسحر إنما هو ببركة دعوة النبي r لتمر المدينة ، لا لخاصية في التمر .

ومن الأدوية كذلك : ما ذكره ابن بطال : أن في كتب وهب بن منبه أنه يأخذ سبع ورقات من سدر أخضر ، فيدقه بحجر أو نحوه ، ويجعلها في إناء ، ويصب عليه من الماء ما يكفيه للغُسل ، ويقرأ فيه ، ثم يغتسل منه ويشرب ؛ كما أفاده الحافظ ابن حجر ، وهذا لم يرد عن النبي r ، بل هي من تجارب وهب بن منبه ، والصحيح أنها تنفع في جميع أنواع المس ، للمصروع  والمسحور والمعيون ، لأن السدر يُذكِّر الجان بسدرة المنتهى التي عندها جنة المأوى ، ويُذكِّر بالسدر المخضود في الجنة ، فيتأثرون ويخافون ، لأنهم أهل مشاعر مرهفة حساسة ؛ ومثله يُقال في زيت الزيتون من القراءة فيه والادهان به ، فهو نافع ومفيد ، حيث ضربه الله مثلاً لنوره ، فله تأثير عظيم على الشياطين . ولقوله r : « كلوا الزيت وادَّهنوا به ، فإنه من شجرة مباركة » أخرجه الترمذي وغيره من حديث عمر بن الخطاب وهو صحيح ؛ ومثله ما يُقال في الماء ، كما ورد في حديث ثابت بن قيس عند أبي داود وغيره : « أن النبي r أخذ تراباً من بطحان فجعله في قدح ثم نفث عليه بماء وصبه عليه » - وهذا ما يفتي به ابن إبراهيم وابن باز وابن عثيمين واللجنة الدائمة للبحوث .

وبالجملة : فواجب من أُصيب بالسحر وغيره من الأمراض ، اللجوء إلى الله ، والدعاء بيقين وثقةٍ بالله عز وجل ، وليعلم ذلك المسحور أن ما يقوله ويفعله وهو بسبب السحر أو العين في بعض الأحيان ، وهو مخالف للكتاب والسنة أو سب أو شتم أو ترك للصلاة أو يكون كالمجنون ، كل ذلك يعتبر عذراً وهو في حكم غير المكلف ، يُرجى أن يعفو الله عما وقع منه في تلك الحالة من تصرفات خارجة عن إرادته .

وهذا ما تفتي به اللجنة الدائمة برئاسة ابن باز والبراك "مش" ] .

"عالم السحر" للأشقر ص (199-202) ، "بدائع الفوائد" ج (2) ص (203-209)

"عالم السحر" ص (202 ، 210-213) ، "مجموع فتاوى ابن باز" ج (3) ص (274-281) ، "صحيح سنن الترمذي" للألباني ج (3) ص (3 ، 4) رقم (2307 ، 2311)

"الأذكار" للنووي ص (107) رقم (216) و ص (122) رقم (268)

"فتح الباري" ج (9) ص (55-56) رقم (5009) ، "عالم السحر" ص (205-208)

"قواعد الرقية الشرعية" للسدحان ص (56-57) ، "الوقاية والعلاج" للشايع ص (102-103) ، "قواعد الرقية" للسدحان ص (49) ، "كيف تعالج مريضك" للسدحان ص (41)

"صحيح سنن الترمذي" ج (2) ص (166) رقم (1508)

"النذير العريان" لفتحي الجندي ص (153-154 ، 165 ، 171 ، 177 ، 77)

شريط "السحر والكهانة" لعبد العزيز العبد اللطيف ، "فتاوى اللجنة" ج (1) ص (375)

مما لا يجوز العلاج به ، ومما يعرف به السحرة :

أحبتي في الله ، وبعد هذا العرض السريع في علاج السحر ، أذكر لكم نماذج وطرق قد اشتهرت عند فئام من الناس كثير ، يعالج بها من كان به سحر ، وهي في الحقيقة محرّمة ، وفيها مشابهة ومحاكاة للمشعوذين ، وبعضها أصلاً مما يفعله السَحرة أو الكَهَنة في علاج المرضى ، منها :

التبخر بالشب أو الأعشاب  أو الأوراق أو حتى بالعود الكريه أو المعمول ، فالغالب أنه استرضاء لشياطين الجن والاستعانة بهم على الشفاء ، وكذا لبس الخاتم وتحريكه بطريقة معينة ، فيها مناداة للجن أو طردهم من قبل الراقي ، وأحياناً يكون معه ميدالية ملفوفة بخيط ، وبعضهم يأمر المريض بأن يخلط الخمر بغصن شجرة ثم يشربه ، وبعضهم يأمر المريض بأن يلبس على عضده خلخالاً مصنوع من قضبان الأراك أو سواراً مثل المعضد من نحاس على يده ، أو يلصق على جزء من بدنه ما يعرف باللزقة وفيها مغناطيس ، فهذه مُلحقة بالحروز والتمائم والحلقة والخيوط المحرمة .

وكذا ما يفعله بعضهم من تعليق كعب الأرنب على أي شيء ، أو يأمُر الراقي المريض بأن يغتسل في نهر الفرات سبعاً " أصله أثر عن عائشة موقوفاً عند ابن أبي شيبة وهو لا يصح " أو يأمره بأن يشرب ماءً في إناء مصنوع من النحاس يُسمّى (طاسة السم) وهذا الإناء فيه صور محفورة للعقرب والحصان والقط والغزال والحمير والحية والثعلب والفيل والأسد ، وكتابات مثل الشهيد وغيرها ، وأصل هذه الطاسة أن يكون الراقي وهو المشعوذ ، له اتصال بفسقة الجن وكفارهم ، ليستعين بهم في هذه الشعوذة بواسطة هذه الطاسة ، وبعضهم يأمر المريض المسحور بأن يكتب في ورقة صفراء خمس لامات وخاء وآية الإسراء {وَقُلْ جَاء الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً}الإسراء: ٨١ ثم يعلقها على نفسه . وبعضهم يضعون فوق رأس المسحور طست فيه ماء ، ويصبون عليه رصاص ، فتظهر صورة الساحر في هذا الرصاص ، فيستدل بذلك على من سحره ، وتسميها العامة ( صب الرصاص ) فالساحر حينها يقرأ سراً عزيمة كفرية شديدة ، أو يجهر بها ويخلِّط فيها بطلاسم ونحوها ؛ وبعض السحرة يطلب من المريض بعض آثاره من منديل أو عمامة أو قميص أو عباءة أو ثوب ، ثم يعقد هذا الأثر-العباءة أو الثوب – من طرفه ، ويقيس مقدار أربعة أصابع ، ثم يمسك العباءة والثوب مسكاً محكماً ثم يقرأ سورة التكاثر أو أي سورة قصيرة رافعاً بها صوته ، ثم يقول طلسماً شركياً يُسرُّ به ثم ينادي الجن ، ويقول : إن كان به جن فقصروه ، وإن كان به عين فطولوه ، وإلا فدعوه ، وأحياناً هذه المناداة تكون سراً أو جهراً ، ثم يقيسه مرة أخرى ، فإن وجده قد قَصُر ، أخبره بأن به صرعٌ أو سَحر ، وإن وجده قد طال أخبره بأن به عينٌ ، وإن وجده كما هو : أمره أن يذهب إلى الطبيب ، وهذه تُعرف بطريقة قياس الأثر ؛ وبعضهم الآخر يُحضر صبياً صغيراً لم يبلغ الحلم ، شريطة ألا يكون على طهارة ، ثم يأخذ كف الصبي الأيسر ثم يرسم عليه مربعاً ، ويكتب حوله طلاسم سحرية من جهاته الأربع ، ثم يضع في وسط المربع في كف الصبي زيت وزهرة زرقاء أو زيت وحبراً أزرق ، ثم يكتب طلاسم أخرى على ورقة مستطيلة ثم توضع هذه الورقة كالمظلة على وجه الصبي ، ويرتدي فوقها قلنسوة مثل القُبّعة حتى تثبت الورقة ، ثم يُغطّى الطفل كله بثوب ثقيل ، ثم ينظر الطفل في كفه فلا يرى إلاّ ظلمةٌ وسواد ، ثم يبدأ الساحر بقراءة عزيمة كفرية ، فإذا بالطفل يشعر وأن الجو قد أصبح نوراً ، ويرى صوراً تتحرك في كفه ، ثم يسأل الساحر الصبي عن هذه الصور ، فإما أن تكون من تسبّب في السحر أو مكان وضع السحر أو شيء مفقود يُبحث عنه ، وهذه الطريق تُسمى (قراءة الكف) ومثلها (قراءة الفنجان) .

وبعضهم يطلب من المريض نعجة سوداء أو خروفاً أبيض ، أو ذا قرون ، ليأتي بها إليه ، أو يذبحها في مكان معين ، ثم دفنها في مكان معين كالمسجد أو المقبرة ، ويقوم الساحر بأخذ بعض دم الحيوان ، ويُلطّخ به مكان الألم عند المريض ، أو يأمره برميها في مكان قَذرٍ خَرِبْ ، وبعضهم يعطي المريض حجاباً وهو عبارة عن ورقات صغيرة ملفوفة ، تحتوي على مربعات ، بداخلها حروف أو أرقام ، مع بعض الآيات أو السور القصيرة ، وبعضهم يسأل المريض عن اسمه واسم أمه وأبيه ، وبعضهم يأمر المريض بأن يعتزل الناس فترة معينة في غرفة لا تدخلها الشمس ، وتسميها العامة (الحِجْبه) وبعضهم يأمر المريض ألاّ يمس ماءً لمدة معينة وغالباً تكون أربعين يوماً ، وبعضهم بعد أن يرقيه يُعطيه أشياء يدفنها في الأرض ، أو أوراقاً يحرقها ويتبخّر بها ، وغيرها كثير .

إخوتي في الله : هذه بعض علامات من يدّعون أنهم يعالجون علاجاً شرعياً ، وذلك أثناء مقابلتهم للمريض أو المسحور ، وثمّة صفاتٍ أخرى لهؤلاء السحرة أو الكهنة ، قد لا يعلمها إلا القليل من الناس ، أذكر منها : أنه يبيع نفسه وكل ما يملكه للشيطان ، في حياته وبعد مماته ، ويدل لهذا المعنى ، قوله تعالى : {وَلَقَدْ عَلِمُواْ لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاَقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْاْ بِهِ أَنفُسَهُمْ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ} البقرة: ١٠٢ وأنه يكون معادياً للأديان ، ساخطاً عليها ، مستهزئاً بها ، متبرئاً من جميع الكتب السماوية ، جاهداً في حرقها وتمزيقها ، معظماً لغير الله مشركاً به ، عابداً للشياطين أو النجوم والكواكب والأصنام أو البشر ؛ فاعلاً للمحرمات ، واقعاً في الموبقات ، مثالاً للقذارة والوساخة ودناءة النفس ، تاركاً للطهارة والنظافة ، ليكتسب جسمه وملابسه ومسكنه رائحةٌ عفنه ، مستعداً لارتكاب الجرائم والقبائح والانغماس في الفجور والإباحية ، يقضي وقته بعيداً عن الناس ، لا يعاملهم ولا يتصل بهم ، إلا إذا طُلب منه ذلك ، لأعمال السحر وإلحاق الضرر بالناس ؛ الواحد منهم ، ملابساً للنجاسات ، معاشراً للكلاب ، يأوي إلى الحمامات والقمّامين والمقابر والمزابل ، رائحته خبيثة ، منتنة ، يباشر النجاسات التي يحبها الشيطان ، ويأكلون الحيات والعقارب والزنابير وآذان الكلاب .

وأهم ما يحرص عليه الساحر عند مزاولته السحر أنه يلبس حذاء مكتوباً على مقدمته وجوانبه اسم الجلالة ، إرضاء للشيطان وإغضاباً للرحمن ، وجرت العادة : أن يكون الإناء الذي يشرب منه الساحر إحدى جماجم الموتى ، بعد تهيئتها على شكل إناء .

إن هذا الذي ذكرناه ، قليل من كثير ، ولكنه كافٍ في توضيح السحر والسحرة .

ولا عجب أيها الإخوة ، فإن هؤلاء السحرة عباد الشياطين ، نرى بعضهم يصلون ويقرؤون القرآن ويكتبون في أوراقهم السحرية آيات من القرآن ، وهذا كله تغريرٌ بالناس كي ينخدعوا بهم ، أما باطنهم فبعيدٌ عن التُقى والصلاح ؛ والذي أمرهم بهذا وأرشدهم إليه هم الشياطين ، حتى يقول الناس : إنّ فلاناً تقي شيخ ، سيد ولي

"فتاوى اللجنة الدائمة" ج (1) ص (177) ، "قواعد الرقية" للسدحان ص (12)

"فتاوى اللجنة" ج (1) ص (377) ، "النذير العريان" للجندي ص (108 ، 159 ، 95 ، 164 ، 201) ، "القول المفيد" لابن عثيمين ج (2) ص (60 ، 70) ، "الصارم البتار" ص (75) ، "النذير العريان" ص (219-222) ، "الصارم البتار" ص (73-74) ، "عالم السحر" ص (68) ، "الصارم البتار" ص (77-78) ، "عالم السحر" ص (168-175)

الكهانة والعرافة :

أيه الأخوة المؤمنون : وبعد تلك الوقفات العجلى مع عالم السحر والسحرة ، وذكرِ شيء من دجلهم وخداعهم ، ظهر لنا جلياً : أن الكهانة نوع من أنواع السحر ، لأنها تشترك معها في أنَّ فيها ادعاءً لعلم الغيب ، فكان من المناسب الحديث عنها:

والعرَّاف : اسم للكاهن والمُنجِّم والرمّال ، ونحوهم ممن يتكلم في معرفة الأمور بهذه الطرق .

فالكاهن : هو الذي يخبر عن المغيبات في المستقبل .

وأما العرَّاف : فهو الذي يدَّعي علم الأمور المفقودة في الماضي .

وأما الطَّرْق : فهو الخط في الرمل خطوطاً متعددة ، ثم يمسحها بسرعة ، بحيث لا تُشاهد ، فإذا بقي منها خطّان قال هذا خير وبركة ، وإن بقي منها خط واحد ، قال : هذا شؤم وشقاء ، ويُسمَّى هؤلاء بالرمَّالين ، وهم الذين يقرؤون الكف ، أو أهل قراءة الفنجان .

وأما المُنجِّم : فهو الذي يستدل على الحوادث الأرضية بحركة الكواكب السماوية ، فيستدل بحركاتها وتنقلاتها وتغيراتها على أنه سيكون كذا وكذا ، لأن النجم الفلاني صار كذا وكذا ، ففلان مثلاً حياته شقاء لأنه ولد في النجم الفلاني ، وسيحدث زلازل في مكان كذا وكذا لأنه وقع في النجم الفلاني .

ومن هنا نأخذ خطأ العوام ، الذين يقولون : إذا هبّت الريح طلع النجم الفلاني ؛ أما إذا كان يستفيد من النجوم في معرفة الطريق أو القبلة فلا بأس {وَعَلامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ} النحل: ١٦ وهؤلاء يُعتبرون سحرة بجامع أنّ فيها ادعاء لعلم الغيب ، وأنّ فيها شيئاً من التخييل والخفاء ، وأن الرمَّال أو المنجم ينفع أو يضر ، كما هو الحال في الساحر .

شريط "السحر والكهانة" للعبد اللطيف ، "القول المفيد" ج (2) ص (61 ، 68 ، 35) ، شريط العبد اللطيف ، "فوائد ابن جبرين" ص (78) رقم (146) و ص (83) رقم (155)

"القول المفيد" ج (2) ص (102 ، 35) ، شريط العبد اللطيف .

طرق الكهان في معرفة الغيب :

إنَّ هؤلاء الكهان ، عندما يخبرون بالغيب ، فمصدرهم الكذب والإفك ، وشياطين الجن وسواء كان المُخبَر به في الماضي أو الحاضر أو المستقبل {شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً }الأنعام: ١١٢ [ وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم وإن أطعتموهم إنكم لمشركون ] وفي صحيح البخاري من حديث أبي هريرة ، قوله r : « إذا قضى الله الأمر في السماء ، ضربت الملائكة بأجنحتها خضعاناً لقوله .... فيسمعها مسترق السمع ، ومسترق السمع هكذا ، بعضه فوق بعض ... فيسمع الكلمة ، فيلقيها إلى من تحته ، ثم يلقيها الآخر إلى من تحته ، حتى يلقيها على لسان الساحر أو الكاهن ، فربما أدركه الشهاب قبل أن يلقيها ، وربما ألقاها قبل أن يدركه ، فيكذب معها مائة كذبة ... » ومن حديث عائشة رضي الله عنها ، قالت : ( يا رسول الله ، إنَّ الكهان كانوا يتحدثون بالشيء فنجده حقاً . قال : « تلك الكلمة الحق يخطفها الجني ، فيقذفها في أذن وليه ، ويزيد فيها مائة كذبة » ) إذاً ما مضى وانقضى فعن طريق الجن يخبر بعضهم بعضاً ، كمعرفة السارق أو المفسد وموضع السرقة أو الفساد ، ولهم أعوان وجواسيس يخالطون الناس ويأتونهم بأخبارهم .

وأما الحاضر والمستقبل ، فإن الكهان كغيرهم من البشر ، لا يعلمون عنه شيئاً ، وما يخبرون به فعن حدس وتخمين ، أو هو مما استرقته الشياطين من الملائكة قبل وقوعه في الأرض ، فإن الشياطين بعد بعثة النبي r وموته لم تُمنَع منعاً باتاً ، ولكنَّ السماء زيد في حراستها ، فقلَّ استراقهم للسمع  {إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ} الصافات: ١٠ قاله ابن حَجَر .

شريط العبد اللطيف ، "عالم السحر" للأشقر ص (162 ، 270-271 ، 273) ، "حاشية كتاب التوحيد" لابن قاسم ص (126-129) ، "عالم السحر" ص (293-297) ، "فتح الباري" ج (10) ص (216-217) .

انتشار التنجيم والكهانة :

أحبتي في الله : إنّ التنجيم والكهانة ، لها انتشار واسع وكبير ، وعلى مستوى الدول المتقدمة ، كأمريكا وفرنسا وإنجلترا ، والدول العربية الأخرى ، فالمغرب بها ما لا يقل عن ستة عشر ألف قارئة كف ، وبيوت السحرة والمشعوذين ومحلاتهم تتمركز في الأحياء الفقيرة من القرى والمدن المغربية ، وكذلك الأمر في مصر وبقية الدول كسوريا والعراق وغيرها .

ومن هذا الباب : استطاع النصابون في تلك البلاد جذب الدولارات الموجودة في جيب السائح العربي ، ليسئل الدجال عن مستقبله ومستقبل أبناءه وبناته ، وسبب مرضه أو مرض أهله ، إنّ هؤلاء المُنجِّمين علموا أن هناك فئة من الناس ، قد ضَعُف إيمانهم بالله عز وجل ، وأنهم سيدفعون وبالعملة الصعبة ، ما يُفرِّج همهم حسب زعمهم ، فعمِلوا على صناعة عراّف إلكتروني ضريف في حجم الآلة الحاسبة ، تقوم فكرته على وجود دورة بيولوجية ، ودورة نفسية وأخرى عصبية ، ومن ثمّ يقوم الدجال بإدخال المعلومات اللازمة كالاسم والعمر والجنس والجنسية ، وغيرها ثم يطلب ما أراد ، فيقوم الدجال الالكتروني باتخاذ القرارات الهامة والمطلوبة كتحديد الزواج السعيد والفاشل ، واختيار الزوجة المناسبة، ومدة الحياة وتاريخ الوفاة وسببها .

إنّ هؤلاء الكهنة ، عمّ خطرهم ، وطمّ شرهم ، واستفحل دجلهم ، وكثر خِداعهم ، وصار لهم في أسواقنا وبلادنا رواج كبير ، وهذا علامة من علامات ضعف الإيمان ، الواجب حربُها ، والنكيرُ عليها ، وفضحها ، وتوعية الناس بحرمتها ، وشديد عقابها .

وإنّ كثيراً من هؤلاء ، قد اندّسوا في صفوف من يعالج بالطب الشعبي ، أو ممن يرقي رقية شرعية للمرضى ، وإذا أردت أن تتعرّف على صفات وعلامات هؤلاء ، حتى تحذرهم وتُنذِرَ الناس بخطرهم ، فإليك بعضاً منها :

بعضهم ممن لا يأتيه ولد ، يأمره أن يشتري تيساً أسوداً ويقول : اربطه في البيت لمدة كذا وكذا ، فإذا حصل الحمل ، فاذبحه ؛ يزعم الدجال المشعوذ أنّ السبب في عدم وجود أولاد هي جنيّة تُسمى بالتابعة ، فإذا وُجد التيس في البيت منعها من دخول البيت .

وبعضهم ممن يرزق بولد ، يقوم وليه ، ويذهب إلى ذلك المعالج الشعبي ، ويخبره باسم المولود الجديد ، لينظُر المعالج هل الاسم يناسب الطالع ، فإن ناسبه سكت ، وإلاّ أمر بتغيير الاسم .

وبعضهم إذا أتاه المريض أو من فقد حاجة أو نحو ذلك ، أمره المعالج بأن يأتي بثوبه أو عباءته ، أو أي لباس من ملابسه ، فيه شيء من أثره كالعرق ونحوه .

وبعضهم إذا أتاه المريض استخدم معه التنويم المغناطيسي ، ليُشفى من علته ، أو ضرب بالمندل ، لمعرفة سبب مرضه ، أو للدلالة على مكان المفقود ، ونحو ذلك .

إلا أنه أيه الأحبة : فيه بعض الأمور يخبر بها أهل الصنعة والفلك ، وليست من الكهانة في شيء ، لأنها أمور تدرك بالحساب ، كالإخبار عن كسوف الشمس أو خسوف القمر ، أو أن الشمس تغرب في العشرين من برج الميزان مثلاً في الساعة كذا وكذا ، أو أنه سيخرج في أول عام كذا وكذا ، وذلك بعد ستين سنة، مثلاً ( مُذنَّب هالي ) وهو نجم له ذنب طويل ، أو أنّ حالة الطقس في الأربعٍ وعشرين ساعة المقبلة كذا وكذا ، أو إذا رأينا السماء مُلبّدة بالغيوم ، مع الرعد والبرق وثقل السحاب ، قلنا : يُوشك أن ينزل المطر .

فهذه أيه الأحبة : أمور تدرك بالحساب ، أو تستند إلى أمور حسية كتكيّف الجو ، لا حرج فيها ، وليست من الكهانة في شيء .

"عالم السحر" ص (287-293) ، "فتاوى اللجنة" ج (1) ص (395 ، 399 ، 401 ، 417) ، "القول المفيد" ج (2) ص (47-48)

حكم الكهان :

إنّ أدعياء الغيب هؤلاء ، كاهناً أو عرافاً أو منجماً أو رمّالاً أو ساحراً ، ضالون مُضلّون ، فإنْ كانوا من أولياء الشيطان الذين تتنزل عليهم الشياطين فهم كفار {هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَن تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ* تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ* يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ}الشعراء: ٢٢٣ ومن كان ولياً للشيطان لا يمكن أن يكون وليَّا للرحمن {وَمَن يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيّاً مِّن دُونِ اللّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَاناً مُّبِيناً} النساء: ١١٩ فيُستتابون ، فإن تابوا وإلاَّ قُتِلوا كفاراً . وإنْ كانوا من الذين يُدجِّلون على الناس ، ويقولون بالخرص والتخمين ، يخدعون الناس من خلال خطِّهم ونظرهم في الكف والفنجان وما أشبه ذلك ؛ فهم ضالون مستحقون للتأديب والتعزير ، ولا نحكم عليهم بالكفر ما لم يعتقدوا استباحة ذلك ، ومع ذلك كله ، فإنه يجب قتلهم لرفع مفسدتهم ومضرتهم ، حتى وإنْ قلنا بعدم كفرهم ، فللقتل أسباب متعددة ومتنوعة . قال تعالى : {إِنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَاداً أَن يُقَتَّلُواْ أَوْ يُصَلَّبُواْ أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْاْ مِنَ الأَرْضِ }المائدة: ٣٣ فهؤلاء ممن أفسد على الناس أمور دينهم ودنياهم ، فيُستتابون ، فإن تابوا وإلاّ قُتِلوا حداً .

"عالم السحر" ص (313-317) ، "القول المفيد" ج (2) ص (65)

إشكال وجوابه :

الكهانة والعِرافة لا شك في حرمتها ، ولكنه قد يُشكل على هذا حديث معاوية بن الحكم السلمي ، فيما رواه مسلم في صحيحه : أن النبي r قال : « كان نبي من الأنبياء يخط ، فمن وافق خطه فذاك » في أن الخط في الأرض أو الرمل جائز ؛ والجواب أن نقول : أن الرسول r علّقه بأمر لا يمكن الحصول عليه ، وهو أن نعلم العلم اليقيني موافقة خطنا لخط النبي ، وعلى ذلك فإنه حرام ] .

"عالم السحر" ص (317) ، "القول المفيد" ج (2) ص (31) .

سؤال الكهان :

ومما يرتبط بهذا : سؤال الكهان عامة ، هل هو حرام أم كفر مخرج من الملة ، وقبل هذا أذكر شيئاً من أحاديث الرسول r في الترهيب من سؤال الكهان والعرافين :

1- قوله r : « ليس منا من تطيّر أو تُطيّر له ، أو تكهّنَ أو تُكهِّن له ، أو سَحَر أو سُحِر له ، ومن أتى كاهناً فصدَّقه بما يقول فقد كفر بما أُنزِل على محمد r » أخرجه البزار من حديث عمران بن حصين وسنده حسن ، وقوله : « تُكهِّن » هذا فيما يتكهّنُه الكاهن وهو حرام أو كفر ، ومن الغريب أنه شاع الآن في أسلوب الناس قولهم : أتكهّنُ بأن فلاناً سيأتي ، أو ... ، وهذا لا شك أنه أمر مباح ، وهو غالباً ما يكون فِراسة ، لكن هذا اللفظ (أتكهن ) في المباح ، إطلاقه لا ينبغي ، بل يستبدل بأتوقع أو أجزم ونحو ذلك .

2- قوله r : « من أتى عرّافاً فسأله عن شيء فصدّقه ، لم تُقبل له صلاة أربعين يوماً » أخرجه مسلم عن بعض أزواج النبي r . وهنا فيه فرق بين الحديثين :

فالأول : سأله فصدّقه في كل ما يقول ، والثاني : « فسأله عن شيء» سأله عن مسألة ، فصدّقه فيها ، ولم يُصدِّقه في غيرها ؛ وكلا الأمرين حرام وشرك .

3- قول ابن مسعود رضي الله عنه موقوفاً عليه : « من أتى عرافاً أو ساحراً أو كاهناً ، فسأله ، فصدَّقه بما يقول ، فقد كفر بما أُنزل على محمد r » أخرجه أبو يعلى وغيره وسنده حسن .

4- قوله r : « لا يدخل الجنة مدمن خمر ، ولا مؤمنٌ بسحر ، ولا قاطع رحم » أخرجه ابن حبان في صحيحه من حديث أبي موسى ، وهو حسن .

5- قوله r : « من اقتبس علماً من النجوم ، اقتبس شعبة من السحر ، زاد ما زاد » أخرجه أحمد وغيره من حديث ابن عباس ، وهو حسن ، والمعنى : كلما ازداد في تعلم النجوم ، زاد في السحر وزاد في الإثم .

فعلى هذا ، فسؤال العرّاف ونحوه على أقسام :

أولاً : أن يسأله سؤالاً مجرداً ، ولو لغير تصديقه ، كشيء في نفس الإنسان ، وقضاءً لوقت فراغه ، فهذا حرام ، لعموم الأحاديث السابقة ، حيث أثبت العقوبة على السؤال مطلقاً .

ثانياً : أن يسأله فيُصدِّقه ، ويعملُ بكلامه ، فهذا كفرٌ مخرجٌ من الملة .

ثالثاً : أن يسأله ليُظهر عجزَه وكذِبه ، فيمتحنه في أمور ، ويبطل قوله ، ويرد عليه ، وهذا قد يكون واجباً أو مستحباً .

رابعاً : أن يسأله ليختبره ، هل هو صادق أو كاذب ، لا لأجل أن يأخذ بقوله ، كما فعل النبي r مع ابن صياد ، كما ثبت في صحيح البخاري وغيره ، أنه سأله فقال : « ما ذا خبّأتُ لك ؟ » فقال ابن صياد : « الدخ » فقال : « إخسأ فلن تعدو قدرك » وابن صياد علم بذلك ، ويُحتمل أن النبي r تحدث مع نفسه أو أصحابه بذلك ، قبل أن يختبره ، فاسترق الشيطان ذلك أو بعضه ؛ والمعنى : إخسأ ، فلن تعدو قدر مثلك من الكهان الذين يحفظون من إلقاء شياطينهم ما يحفظونه مختلطاً صدقه بكذبه .

فسؤال العرافين يُفصّل فيه هذا التفصيل على حسب ما دلت عليه الأدلة الشرعية الأخرى ، فلنحذر أحبتي في الله من سؤال العرّافين والتردّد عليهم وإرشاد الناس إلى ذلك ، بل الواجب : تحذير الناس جميعاً من هؤلاء وأمثالهم ممن يتلبّسون بلباس الدين , وشنِّ الحرب عليهم ، وبيان عوارِهم ، وفضح دجلهم .

"القول المفيد" ج (2) ص (59 ، 49) ، "فوائد ابن جبرين" ص (82) رقم (151)

شريط العبد اللطيف ، "الفتح" ج (6) ص (171-174) رقم (3055)

"الترغيب" ج (3) ص (618 ، 621 ، 622 ، 211) رقم (4467 ، 4475 ، 4477 ، 4479 ، 4480 ) .

أحكام الكهان :

بل إنه من تمام شنِّ الحرب عليهم : أن تعلم أيه الأخ الحبيب أحكام معاملتهم ، فمنها :

أنه لا تجوز مساعدتهم في أعمالهم مطلقاً ، حتى ولو كانا أحد الوالدين ، إلاّ في غير أعمالهم الخبيثة إذا كانا أحد والديك ، ولا يجوز السلام عليهم ، ولا مصافحتُهم ولا مخالطتُهم ولا مجالستُهم ، إلا لإرشادهم وتحذيرهم والنكير عليهم .

كما أنه لا تجوز إجابة دعوتهم ، ولا الأكل من ذبائحهم ، لا في الأعياد ، ولا في الأفراح ، ولا تجوز قبول هديتهم ، ولا الزواج منهم ، ولا يصح عقدُهم ، وإذا قُدِّر أن أحداً منهم أراد إيقاع الضرر بشخص معين ، وأبوا إلاّ أن يُدفَع إليهم مالاً ، فيتركوه ، فلا بأس بذلك ، للتخلص من شرِّهم كما أنه لا تجوز الصلاة خلفهم ، ومن صلى خلفهم فواجبٌ أن يستغفر الله ويعيد الصلاة ، فالصلاة خلفهم باطلة ، وإذا مرضوا فلا يُزاروا ، وإذا ماتوا : فلا يغسلوا ولا يكفَّنوا ، ولا يُصلى عليهم ، ولا يُدفنوا في مقابر المسلمين .

والواجب على كل مسلم ومسلمة : أن يرفع عنهم إلى المحكمة أو الهيئة أو الإمارة أو إبلاغ العلماء والمشائخ بذلك ، حتى يُعاقبوا بما يستحقونه من قتل أو غيره .

"فتاوى اللجنة الدائمة" ج (1) ص (404 ، 414 ، 412 ، 405 ، 414 ، 394 ، 407 ، 414) .

كتب في السحر والكهانة :

أحبتي في الله : أختم حديثي إليكم ، بذكر المؤلفات التي أُلِّفت في هذا الضلال المبين ، وهي على نوعين : نوع يبحث في عمل السحر ، وكيف يصبح الإنسان ساحراً ؛ وهذه المؤلفات عند أصحابها بمثابة المصاحف عند المسلمين ، فهي ترسم للساحر طريقة حياته في طعامه وشرابه ولباسه ، وعلاقاته بالناس ، ومجاهداته ، والذي يرسم ذلك كله الشيطان ، وهذه هي كتب السحر التي يحرم اقتناؤها وقراءتها ونشرها ؛ وهذا النوع لا حاجة لنا بذكر كتبه ، فهي كثيرة جداً .

وأما النوع الثاني : فهي الكتب الباحثة في السحر لمعرفة حقيقته ، وبيان فساده وضلال السحرة ، وهي مهمة لكل مسلم ومسلمة ، حتى يعرف الحق من الباطل ، فمن أهمها "الأساطير العربية والخرافات" د . مصطفى الجوزو ، وكتاب "الأساطير والخرافات عند العرب قبل الإسلام" د . محمد عبد المعين خان الأفغاني ، و "التنبؤ بالغيب" لأحمد الشنتناوي ، و "السحر" لمحمد محمد جعفر ، و "السحر" لإبراهيم محمد الجمل ، و "السحر بين الحقيقة والوهم" لعبد السلام عبد الرحيم السكري ، و "فنون السحر" لأحمد الشنتناوي ، و "فن الشعوذة الحديثة" من مذكرات شارلوك هولمر : تعريب فؤاد واصف ، و "عالم السحر والشعوذة" د . عمر الأشقر ، و "اللعب مع الشيطان" لجون ديموس .

"عالم السحر" للأشقر ص (319-325 ، 332-333 ، 335 ) "كتب حذر منها العلماء" لمشهور سلمان ج (1) ص (101-106) .

كتب حذر منها العلماء في السحر والكهانة :

وآخر جزئية في هذه النقطة ، أذكر لكم كتباً حذّر منها العلماء ، فيها بلاء مستطير ، وفساد خطير ، حوت الكفر البواح ، والزندقة الصراح ، واجبٌ إتلافها وحرقُها ، وتحذيرُ الناس من شرها ، وبيانُ زيفِها وخداعها ؛ من هذه الكتب : كتب أبي معشر الفلكي ، جعفر بن محمد البلخي ت 272هـ ، وكتب عبد الفتاح الطوخي ، التي تطبعها المكتبة الثقافية بيروت ، وكتاب الجفر ، المنسوب إلى علي بن أبي طالب ، ومرة ينسب إلى جعفر الصادق ، ونسبته إلى علي أو جعفر كذب صراح باتفاق أهل العلم ، كما ذكر ذلك ابن تيمية وابن القيم ، وحقيقة نسبته وتأليفه هو من وضع الشيعة الإمامية ، وقد طبعته مكتبة الكليات الأزهرية ، هذا الكتاب كثُر انتشاره وتداولهُ بعد حرب الخليج ، ذلك الحادث الجسيم على أرض الجزيرة العربية قبل سنين قليلة ، فيه تنبؤات وتكهُّنات ودجلٌ وشعوذةٌ وتنجيم حول حرب الخليج ، وما يحصل في بلاد الشام والعراق وفلسطين والحجاز واستانبول "القسطنطينية" من فتن وحروب واضطراب وتغيّر أحوال وغلاء أسعار ونحو ذلك ، وكتاب "شمس المعارف" لأحمد البوني ت 622هـ وهو كتاب يدعوا إلى الشرك الصريح ، ويُعلمه للناس ، فيه عقائد باطلة ، من اعتقدها فهو كافر كفراً أكبر مخرج من الملة ، أكثر من يقتنيه هم السحرة وأهل الشعوذة ، وكتاب "الرحمة في الطب والحكمة" لمؤلفه مهدي بن إبراهيم الصبيري ، ويُنسب زوراً وبهتاناً وكذباً إلى الإمام السيوطي ، هذا الكتاب يحتوي على شركيات وضلالات وخزعبلات ، وقل ما شئت من الطلاسم والجهالات ، من لم يُحرِق هذا الكتاب وأمثالُه فسيُحرق هو بنار الجهل ، وما يجرُّه عليه من فقر وأمراض وتخبط في البلاء والهموم والأحزان ، وبعد هذا عذابُ الآخرة يصلونها ولبئس المهادِ ، وهو حقيق أيه الأحبة أن يسمى"اللعنة في الطب والحكمة" أو "النقمة في الطب والحكمة" ، وكتاب "حظُك تعرفه من اسمِك" وكتاب "حظك من شهر ميلادك" هذان كتابان لمن يُسمّى بالعالم الفلكي ( حميد الأرزي ) وهو عميد الاتحاد العالمي للفلكيين الروحانيين ، وكلا الكتابين يعجّ بالمغالطات والخرافات ، فالأول : تحدث فيه عن كل اسم على الترتيب الأبجدي ، وبيّن – حسب ما يزعم- مميزات كل من يحمل اسماً يبدأ بحرف من الحروف ، حيث تحدث عن أمزجتهم وطباعهم وحظوظهم وشخصياتهم وأرقامهم السعيدة وأيامهم السعيدة وألوانهم المناسبة ، وأفضل الأوقات عندهم ، وأسعدِ زواج لهم ، مع ذكر التنبؤات التي تحدث لهم خلال العالم ، كما تحدث عن الخسائر التي تصيبهم ، وعن علاقاتهم ، إلى غير ذلك من هرطقته التي يهذي بها . وأما الثاني : فقد تحدث فيه عن شخصية الأفراد من خلال أشهر ميلادهم وأبراجهم ، وبنى على ذلك معرفة شخصيتهم ، وأيامهم السعيدة ، وما يجب عليهم أن يفعلوه ، وممن يتزوجون ، كما تحدث عن عيوبهم ، وعن ميولهم وعن صحتهم وأخلاقهم ، وأبرز صفاتهم .

ومن كتب التنبؤات المشهورة في هذه الأيام ، وحُقَّ للناس أن يحذروا منها : كتاب "تنبؤات نوستر أداموس" وهو مطبوع مشهور ، ومؤلفه من الكفار ، وقد عُرِضَ في كثير من الصحف والمجلات والجرائد ، وروّجت له ، وتلاقفته أيدي عوام المسلمين وتواصى به طغامهم واغرْبَتَاه ، واإسلاماه ، فلقد تعاطى كثير من المسلمين اليوم ، وخاصة السذج والبسطاء من الناس كتب التنجيم والسحر والطلاسم ، فتراهم مشغوفين بمتابعتها ، ويتردد على ألسنتهم ما فيها ، في مشارق الأرض ومغاربها ، وهذا كله إفكٌ مفترى ، ناقله وناشره شريك في إثم كاذبه ومفتريه ، ولهذا أصبحنا أجهل الأمم ، وأضل وأحقر وأقل وأرذل أهل الأرض ، وأصبحنا منحطين في ديننا ودنيانا وأخلاقنا ، كل العالم يتقدم ونتأخر ، كل الناس يرتفع ونهبط ، لكل الناس صناعات نافعة رافعة ، ولا صناعة لنا ، فلهذه الكتب المنقوصة ، وبما فيها من السطور التعيسة المنحوسة أصبحنا غارقين في بحار الجهالة والبله والغباء الفاضح المخزي .

فاحذروا أيها المسلمون وحذِّروا من هذه الأباطيل إخوانكم وأحباءكم ، فوالله لهي كتب سادت في الآونة الأخيرة في الآفاق ، وطار بها الناس كل مطار ، وانتشرت في كثير من الأصقاع والأقطار والأمصار ، كتب ملأى بالخزعبلات والترهات والمصايب والويلات ، فيها الشرور والسموم ، فيها البلايا والرزايا والخزايا ؛ فإلى الله المشتكى من ظهور الباطل ، وعدم الأخذ على يد هؤلاء الناشرين ، حتى يتبين العوار وينزاح الستار .

اللهم إنا نبرأ إليك من هذه الترهات ، فاحفظ علينا عقولنا وديننا ، وسلّمنا من الجنون وسيئ الأسقام .

"كتب حذر منها العلماء" لمشهور حسن محمود سلمان ج (1) ص (106-143) .

فائدة "حكم الاستعانة بالجن في العلاج" :

إذا استخدمهم في طاعة الله كتبليغ العلم ، أو معونته على أمور مطلوبة شرعاً ، فهو أمر محمود ، حيث حضر الجن يستمعون القرآن من النبي r ، ثم ولوا إلى قومهم منذرين ، وإذا استخدمهم في أمور مباحة ، كما لو طلب أن يخبروه بأمر من الأمور ونحو ذلك ، فجائز إذا كانت الوسيلة مباحة ، ومرة تأخر عمر بن الخطاب في سفره ، فخافوا عليه ، وذهبوا إلى امرأة من أهل المدينة لها صاحب من الجن ، فطلبوا منها البحث عنه ، ففعل الجني ثم أخبرهم أنه ليس به بأس ، وهو يسم إبل الصدقة ، وإذا استخدمهم في أمور محرمة كنهب أموال الناس وترويعهم أو فعل الفاحشة بهم أو الإضرار بهم ، وما أشبه ذلك ، فهذا محرم ، وقد تكون الاستعانة محرّمة إذا كان الجن مافعلوا ذلك إلاّ لإلفتهم وتعاونهم وحب بعضهم لبعض في فعل السيئات وقد تكون شركاً ، كما لو كان الجني لا يساعده في معصيته إلا إذا أشرك بالله ، كالذبح للجن أو السجود له ، أو ارتكاب ناقض من نواقض الإسلام ، وهذا هو اختيار ابن تيمية وابن عثيمين فاستخدامهم حسب التفصيل ، وليس جائزٌ مطلقاً ، ولا محرمٌ مطلقاً .

"القول المفيد" ج (2) ص (49-50 ، 62-63) ، "فتاوى اللجنة" ج (1) ص (603-604) ، "النذير العريان" ص (157 ، 215-224) .

هذا والله تعالى أعلم وأحكم ، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد بن عبد الله ، وعلى آله وصحبه أجمعين  ا . هـ


هذا البحث اختصار وتهذيب لكتاب (عالم السحر و الشعوذة ) لعمر سليمان الأشقر.

كتابة تعليق
الاسم:
العنوان:
تأثير نصي:صفحة انترنتبريد الكترونيخط عريضخط مائلنص تحته خطاقتباسكودفتح قائمةعناصر القائمةإغلاق القائمة
التعليق:

 

طباعة

1145  زائر

إرسال


أراد أحد الصالحين أن يُطلَّق امرأته، فقيل له: ما الذي يريبك فيها؟ فقال: العاقل لا يهتك ستر امرأته، فلما طلَّقها، قيل له: لِمَ طلّقتها؟ فقال: قد أصْبَحت أجنبية عني، والحديث عنها غيبة، والغيبة حرام. «قطوف مختارة» لعبد الله بن يحيى الغامدي (ص137).
إيقاف تشغيل / السرعة الطبيعية للأعلى للأسفل زيادة السرعة تقليل السرعة  المزيد
 
  الأعمال المشروعة في رمضان 

  العشر الأواخر 

  وداع رمضان 

  الناس وسيد الشهور 

  دعاء ختم القرآن 

  هي خير من ألف شهر 

عبائتي كمها ضيق فهل ألبسها؟   كيف يرقي الإنسان ويعوذ أولاده