|
الناس وسيد الشهور
الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد بن عبد الله ، وعلى آله وصحبه .
فإنَّ رمضان ، شهرُ خيرٍ وبركة ، قد حباه الله عز وجل بفضائل كثيرة ، فهو شهر القرآن ، إنّ القرآن في رمضان يُعيدُ ذكرى نزوله وأيام تدارسه ، وأوقاتِ اهتمام السلف به .
إنّ رمضان يُدعَى بسيد الشهور ، وفي الحديث الضعيف الذي أخرجه البزار وغيره عن أبي سعيد مرفوعاً : « سيد الشهور شهر رمضان ، وأعظمُها حُرمةً ذو الحجة » "ضعيف الجامع" ص (487) برقم (3321)
وقد كان المصطفى r يُبشّر أصحابه بقدوم رمضان ويُبارك لهم في ذلك ، يقول عليه الصلاة والسلام : « أتاكم رمضان شهرٌ مبارك ، فرض الله عز وجل عليكم صيامه ، تُفتح فيه أبوابُ السماء ، وتُغلَق فيه أبوابُ الجحيم ، وتُغلُّ فيه مردةُ الشياطين ، لله فيه ليلةٌ خير من ألف شهر ، من حُرِم خيرَها فقد حُرِم » أخرجه النسائي وغيره ، عن أبي هريرة مرفوعاً ، وهو صحيح . "صحيح سنن النسائي" ج (2) ص (455) برقم (1992) .
إنه في رمضان ، يقلُّ الشرُّ في الأرض ، حيث تُصفَّد وتُشدُّ مردة الجن بالسلاسل والأغلال ، فلا يخلصون إلى إفساد الناس كما كانوا يخلُصون إليه في غيره ، يقول النبي r : « إذا دخل رمضانُ فُتِّحت أبوابُ الجنة وغُلِّقت أبوابُ جهنَّم وسُلسِلت الشياطين » أخرجه البخاري عن أبي هريرة . "الفتح" ج (4) ص (112) برقم (1898) و ج (6) ص (336) برقم (3277) على أنّ هناك نفوساً شريرة ، شديدة التقبل لوسوسة الشيطان ، فهي حين يضعفُ تأثيرُ الشيطان في رمضان ، يكون فيها شرٌّ في ذاتها ، ولهذا لا عجبَ أن تجدَ – والعياذ بالله – من الناس من يكون انحرافه في رمضان ، فضلاً عن إغواء الشياطين له ، فإنّ في رمضان التي تُصفَّد هي مردة الشياطين ، فهو بعض منهم ، وقد ورد في الحديث : « .... وينادي منادٍ : يا با غي الخير أقبل ، ويا باغي الشرِّ أقْصِر ...» أخرجه الترمذي وغيره ، عن أبي هريرة مرفوعاً ، وهو حسن .
وإنّ من فضائل رمضان : استجابة الدعاء ، والعتقُ من النار ، يقول r : « إنّ لله في كل يوم وليلة عتقاءَ من النار ، في شهر رمضان ، وإن لكل مسلم دعوةً يدعو بها فيستجاب له » أخرجه أحمد وغيره ، عن جابر مرفوعاً ، وهو صحيح .
بل إنّ من يصومُ رمضان ويقومه : معدود من الصديقين والشهداء ، ففي حديث عمرو بن مرة الجهني : أن رجلاً جاء إلى النبي r ، فقال : يا رسول الله ! أرأيت إن شهدتُ أن لا إله إلا الله ، وأنَّك رسولُ الله ، وصليتُ الخمسَ ، وأديتُ الزكاة ، وصمتُ رمضان وقمتُه ، فمِمّن أنا ؟ قال : « من الصديقين والشهداء » أخرجه ابن حبان ، وهو صحيح .
أحبتي في الله : جاء رمضان ، فيه الأمانُ والعتقُ والفوزُ بسكنى الجنان ، من لم يربح في هذا الشهر ففي أيِّ وقت يربح ؟ من لم يُقرِّب فيه لمولاه ، فهو على بُعدِه لا يبرحْ .
من رُحِم في هذا الشهر فهو المرحوم ، ومن حُرِم خيرَه فهو المحروم . رمضان هو أشرف الشهور ، أيامه أحلى الأيام ،ولذا كان من دعاء المسلمين : اللهم سلِّمني إلى رمضان ، وسلِّم لي رمضان ، وتسلّمه مني متقبلاً ، قاله يحيى بن كثير. وقال معلّى بن الفضل: كانوا يدعون الله ستة أشهر : أن يبلغهم رمضان ، ثم يدعون ستة أشهر: أن يتقبله منهم .
مرحباً أهلاً وسهلاً بالصيام * ياحبـيـباً زارنا في كـل عامْ
قـد أتينـاك بحبٍّ مفـعمٍ * كلّ حب في سوى المولى حرامْ
فاقبلِ اللهمَّ ربي صومـنا * ثم زدنا من عطـاياك الجسـامْ
لا تُعــاقِبنا فقـد عَاقَبنا * قلقٌ أسهــرنا جُنحَ الظــلامْ
وظائف رمضان ، لابن قاسم (ص 11-12). دروس رمضان ، للعودة (ص20-21).
ثلاثون درساً للصائمين،للقرين(ص 4-11).صفة صوم النبي r في رمضان،للهلالي وعلي حسن(19-24) .
حال الناس عند قدوم رمضان
هكذا السلف الصالح ، أما اليوم :
أيها الأخوة المؤمنون : فإنّ مما يندى له الجبين ، ما عليه حال أكثر المسلمين في هذا الزمان. يا للأسف أصبح عندهم ذكر الله وتلاوة كتابه لا يتجاوزان الحنجرة ، وكذلك الصلاة ، يصلّيها بجسمه لا بقلبه ، وكذلك الصيام يُؤديه كعادة رسمية يحترمها مع التضجر على ما يمتنع منه ، والتلهف على سرعة تناوله ، فلا الذكر والقرآن يورثان المحبة والتعظيم والتدبر والتفكر ، ولا الصلاة تُورث الإخبات والإنابة ، لخلوها من الخشوع ، ولا الصوم يُورثه قوة الإرادة ورباطة الجأش وصدق العزيمة .
فالصيام أيّه الأخ المبارك ، تهذيب لا تعذيب ، فإذا لم يُؤتِ ثمرته النافعة ، فليس النقص منه ، إنما النقص من سوء تصرفك أنت أيّه الصائم وعدم صحة قلبك وطهارة ضميرك وعدم حسن تفكيرك .
ومن هنا ، وجب أن يكون الصوم عن إيمان واحتساب وضبط وتعظيم لشعائر الله ، لا عن تقليد ومسايرة ، كصوم من يصوم بتوجع وتحسر ، ويقتل أوقاته بالنوم ، والبطالة ، وهو في الحقيقة قاتل لنفسه قتلاً معنوياً ، ويتمنى سرعة انقضاء رمضان ، هذا الصنف من الناس أين حاله من حال النبي r والسلف الصالح الذين يصومون أياماً من الأسبوع أو أياماً من كل شهر تطوعاً لله ، يُهذّبون بها أنفسهم ويتدربون فيها على حمل أعباء الرسالة وتحقيق الحياة الطيبة ؟
أين هو من الاقتداء بهم واللحوق بركبهم الشريف الذي طهّر مشارق الأرض ومغاربها من الكفر والظلم ، وعمرها بالدين الصحيح والعدالة والخير والأمن والصلاح ؟ أم يريد أن يحلق بالركب المادي الحاضر الذي طبعه الاستعمار بأوضار ثقافته الكافرة الفاجرة ، فيلحق في حزب الشيطان ؟ أعاذ الله المسلمين من عاقبة السوء .
إنّ هذا الصنف من الناس ، ممن يصوم رمضان يتوجّع وتحّسر وسوء استقبال ، قد أورثهم هذا الصوم حرجاً في نفوسهم ، وضيقاً في صدورهم ، فتجدهم حمقى ، سريعي السخط ، يغضبون لأدنى سبب ، يتلفظون بسيء الكلام ، وإذا ما عاتبه أحد على تصرّفه ، سمعت من يقول : لا تعتب عليه ، فإنه صائم – عجباً أيه المسلمون : كأن الصائم يمن على الله وعلى خلقه بصيامه ، فلا يتحمل منهم كلاماً ولا مفاوضة .
واعلموا أيه الأحبة ، أنّ الصائم بإيمان واحتساب وخشية ومراقبة وتعظيم ومحبة لله يجب أن يكون بخلاف ذلك ، فيكون راضياً مرضياً ، مطمئن النفس ، منشرح الصدر ، مسروراً متلذذا ، شاكراً لله الذي فسح في عمره ، حتى بلّغه صيام هذا الشهر ، ولم يجعله من أصحاب القبور ، فلا يكون في نفسه اضطراب ولا انزعاج ، ولا ضيق ولا حرج أبداً ، بل يكون أوسع أفقاً ، وأشرح صدراً ، وأطيب نفساً ، وأهدأ أعصاباً ، وأقوى روحاً ، فيكون على أحسن خلق في معاملته ومقابلته وحلمه ومفاوضته ، وإذا ابتلي بخصم من الحمقى ، لم يجاره في حمقه وسفاهته ، بل يقل له ثلاث مرات إني صائم ، كما أرشد لذلك المصطفى r .
"الصوم" لعبد الرحمن الدوسري (8-9 ، 12 ، 14-18 ، 20 ، 26 ، 31 ، 33)
"مجلة البيان" ع (73) ص (10)
رمضان مدرسة الأجيال
لذا ، أحبتي في الله ، كلنا محتاجون من النهل من تلك المدرسة ،المدرسة التي ربى رسول r أصحابه فيها ، فكانوا خير الناس من بعده ، وتربى التابعون ومن بعدهم فيها ، وما زال المسلمون حتى الآن يتربون ويتعلمون من تلك المدرسة العظيمة ، وستظل إلى أن يشاء الله عز وجل . أيه الأحبة في الله :
إنه لا ينبغي لعاقل أن يمر عليه شهر رمضان دون أن يفيد منه ويتعلم ، ويتقدم نحو الخير والصلاح ، فهذا الشهر ليس كغيره من شهور السنة يمرّ مروراً دون أن ندري أو نعقل أو نفهم ، ويصعب في هذه الوقفة العجلى أن نُلِّم بجميع ما في هذا الشهر الكريم من دروس وعبر وعظات ، غيرَ أنَّ أمتنا اليوم بأمس الحاجة إلى وصلها بأصل نشأتها ، بتلك المدرسة التي ربى عليها رسول الله r صحابته وأمته .
وحسبنا في هذا المقام أن نذكر لكم بعضاً من الدروس والميادين التربوية والمستفادة من تلك المدرسة العريقة ، إنها أحبتي : حرية بأن نتّدبرها ونتأملها ، ونعمل بما فيها ، لننقل أمتنا من واقعها المرير إلى واقعها الأصيل ﭽ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭼ آل عمران: ١١٠.
1- تحقيق معنى التقوى ، وذلك ، لأن التقوى هي المقصد الأسنى ، والبغيةُ العظمى من وراء فرضية الصوم ، حيث قال تعالى : ﭽ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭼ البقرة: ١٨٣ إن التقوى هي التي تحرس القلوب من إفساد الصوم بالمعصية ، فالصيام الشرعي غير مقتصر على تجنب الطعام والشراب والجماع ، بل لا بد من إمساك الجوارح عن اقتراف الآثام والذنوب والمعاصي ، ولا بد من الإيمان والاحتساب اللذين هما من أهم علامات التقوى ، قال جابر بن عبد الله رضي الله عنه : إذا صمت فليصم سمعك وبصرُك ولسانُك عن الكذب والمآثم ، ودع أذى الجار ، وليكن عليك وقارٌ وسكينةٌ يوم صومِك ، ولا تجعل يومَ فطرِك ويومَ صومِك سواء .
وهناك جملة من الأسئلة ، تفرض نفسها ، آمل منكم الإجابة عليها :
- هل الذي ينام النهار ويُفوِّت بعض الصلوات يُحقِّقُ معنى التقوى ؟
- هل الذي يسهر الليل على ما حرم الله يبحث عن التقوى ؟
- هل الذي جعل رمضان موسماً للتبذير والإسراف يريد أن يصل إلى التقوى ؟
- هل الذي يُمسك عن الأكل والشرب مع إفطاره على غيره قد عرف معنى التقوى ؟
- هل الذي حسنت حاله وعبادته في رمضان ، ثم عاد بعده إلى ما كان عليه ، قد حقق معنى التقوى ؟
إن التقوى أيها المؤمنون : ليست مجرد دعوى أو أمنيةٍ مجردةٍ عن الواقع ، وإنما هي حقيقة لا بد أن تظهر آثارها على الجوارح بعد رسوخها في القلب ، كما كان إمام المتقين r .
2- تقوية الصلة بالله تعالى ، حيث الإكثار من الصلوات وخاصة قيام الليل وقراءة القرآن ومعايشةُ كتاب الله ليلاً ونهاراً .
كثرة مجالس الذكر والاستماع إلى المواعظ والرقائق .
الاعتكاف ، وهو خلوة إيمانية عظيمة الأثر في النفس والسلوك ، حيث ينقطع الإنسان عن الدنيا وملذاتها ، ويخلص في جوانحه وجوارحه ومشاعره لله رب العالمين .
الإقبال على الله عز وجل بقوة إذا دخلتِ العشر .
العمرة في رمضان .
كلها أيها الأحبة : مظاهرُ فيها تقوية للصلة بالله تعالى ، وتثبيت دعائمها ، فيها تربيةٌ للروح ، تربيةٌ إيمانية على هدي رسول الله r .
وبالجملة : فالمسلم في هذا الشهر يتدرّب على عبادة الله ، ويجد لها حلاوة ، ويألف المساجد ويعمرها ، ويحظى بصحبة الأخيار ، فتغشاه الرحمة ، وتعمّه البركة من الله ، لا سيما من وفَِّق لصلاة التراويح والتهجد .
والمُضيِّع للصلاة : إذا عاودها واعتادها في رمضان ، يُرجى له أن يداوم عليها بعد رمضان ، لِما ينغرس في قلبه من التقوى والرجوع إلى الله فيه .
3- تحقيق الصبر وقوة الإرادة والرجولة ، ما أحوجنا إلى الصبر والمصابرة والتجلد وقوة الإرادة ، وبخاصة في هذا الزمان الذي ندر فيه الصبر وضعفت فيه الإرادة وقلَّ فيه الاحتمال ووهنت العزائم ، ففي رمضان نصبر على الجوع والعطش ونقوي إرادة الخير فينا ، فنبذل من نفائس أموالنا للفقراء والمساكين ، ونتحمّل أذى الناس وجهل الجاهلين ، فلا نسبُّ ولا نشتم ولا نجهل على أحد ، وفي هذا تعويدُ النفسِ وتمرينُها على تحمل الغير والصبر على أذاه ، بل هو إعداد للصبر في ميادين كثيرة ، في العلم ومدارسته ، وحاجته إلى السهر والسفر والبحث والتحري والمذاكرة والحفظ ، في الدعوة وتوجيه الناس ، وهذا يتطلب الخلق الحسن وسعة الصدر وقوة التحمل ، كل هذا لا يتم إلا بالصيام الشرعي الكامل .
4- تحقيق مبدأ المراقبة والابتعاد عن الرياء والسمعة ، إنّ عبادة الصوم منهج إلهي يوقظ الضمير ويحي الشعور وينبه الإحساس ويفرض حراسته على الإنسان ، وبذلك تَتطهَّر الحياة من البغي والظلم والفساد .
الواحد منا : إذا نسي ، أو غلبته نفسه على فعل معصيةٍ ، ذكر الله سريعاً ، فأناب إليه واستغفر مما أصاب ، وذلك لِما غَرس فيه صوم هذا الشهر المبارك ، من مراقبة الله وخشيته .
الصيام يُربِّي فينا تلك المعاني الطيبة والخصال الكريمة والسجايا الحسنة ، تجد المرأة في مطبخها أمام أصناف الأطعمة والأشربة ، فلا تأكل منه شيئاً ، الرجل وفي شدة حرارة الصيف يومَ أن يُدخل الماء إلى فيه يتمضمض ، ألا يستطيع أن يأخذ شربة من ماء يُرطِّب بها معدته وعروقه ؟ نعم ، كل يستطيع ذلك ، لكنه مبدأ المراقبة والخوف من الجليل ، إنه يعلم السر وأخفى ، وما أعظم هذا الدرس ، فلنأخذ به في جميع حياتنا ، فبه نخلص من الرياء والنفاق ، وتكون أقوالنا وأفعالنا خالصة لله تعالى .
5- تهذيب الأخلاق وتعلُم الصدق والأمانة . في رمضان يوم أن تُفتّح فيه أبواب الجنة ، وتُغلّق فيه أبواب النار ، يوم أن تنتشر الفضائل ويكثر الخير ، يوم أن تُصفّد فيه مردة الشياطين ، يبتعد الإنسان عن الكذب وفحش القول واللغو والرفث والجهل على الناس ، ويتحلى بالصدق والأمانة والرحمة والرأفة ، فيُحسنُ كلامُه ويجمل منَطقُه ، حتى مع من يعاديه ويسبُّه ، وهذا سرٌّ من أسرار قول رسولك الكريم r : « إذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب ، فإن سابه أحد أو قاتله ، فليقل إني امرؤ صائم » أخرجه البخاري "الفتح" ج (4) ص (118) برقم (1904) .
فبمجرد أن تقول له : إني صائم ، تراه قد تغيرت حالُه وذهب غضبُه ، ويعتذر ويندم .
إن أولئك الذين لا يُهذِّب رمضانُ أخلاقهم ، ولا يُغيِّر من طباعهم ، بل قد يزدادون سوءاً ، ويغضبون لأتفه الأسباب ، إنَّ هؤلاء لم يعرفوا طعم رمضان وفضل الصيام .
فالصبرُ خلق ، والكرمُ خلق ، والحلم والصفح خلق ، وعفة اللسان خلق ، كلها أخلاق نبيلة ، نتربى عليها في رمضان ، فهو بحق [ هدى للناس ].
6- الكرم والجود وبذل المال في سبيل الله ، إنّ البخل صفة ذميمة قبيحة ، فيأتي رمضان فيهذّب هذه الصفة وينميها ، إنّ الكرم يربي المسلم على عدم التعلق بالدنيا ، وأن يطمع في كرم الله وجوده ورحمته ، وبخاصة في رمضان ، لأن من أراد أن يرحمه الله فليرحم عباد الله ، من أراد أن يكرمه الله فليكرم عباد الله ، ولذا روى ابن عباس أن النبي r : “كان أجود الناس بالخير ، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل ، فإذا لقيه جبريل عليه السلام كان أجود بالخير من الريح المرسلة” . أخرجه البخاري "الفتح" ج (4) ص (116) برقم (1902)
وعن جابر بن عبد الله ، قال : ما سُئِل رسولُ الله r شيئاً قطْ ، فقال : لا . أخرجه مسلم "شرح النووي" ج (15) ص (78) برقم (2311) وقال r : « والصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماءُ النار ... » أخرجه الترمذي وغيره ، وهو صحيح "صحيح الجامع" ج (2) ص (913) برقم (5136) وقال r : « من فطّر صائماً فله مثل أجره من غير أن ينقص من أجر الصائم شيء » أخرجه الترمذي وغيره ، وهو صحيح ، "صحيح الجامع" ج (2) ص (1095) برقم (6415) فالجود وبذل المال من صفات الأخيار ، ودرس عظيم من الدروس المستفادة في هذا الشهر المبارك .
7- الشعور بالوحدة والمساواة بين المسلمين ، في رمضان يستوي الغني والفقير ، العبد والأمير ، المستخدم والوزير ، بل فيه علاج للكبر والطغيان والتعالي على الناس ، لأن الكل صائم ، والكل يعاني ألم الجوع ، والكلُ يُمسك ويفطر دون تفريق أو امتياز ، لا يُستثنى من ذلك أحد لغناه ، أو لمنصبه أو جاهه ، فأكرمُنا عند الله أتقانا ، وأفضلُنا أزكانا .
8- اعتياد النظام ودقة المواعيد : نرى أيها الأحبة حياة كثير منا في فوضى وعدم التزام بالمواعيد والأوقات ، فإذا جاء رمضان أعطانا هذا الدرس العجيب : الدقة في المواعيد والنظام ، ويكفي أن تتعلم الأمة النظام في المعيشة ، إذ جميع الصائمين يُمسكون ويفطرون في وقت واحد ، بلا تقديم ولا تأخير ، وإنّ الأوامر والنواهي إن لم تتحول إلى واقع عملي ، فقدت قيمتها وضاع جوهرها ، ورمضان يُربِّي فينا هذه الخصلة الحميدة في معرفة بركة الدقائق وآثار الالتزام وعاقبة الانضباط .
9- تربية الأولاد من صغرهم وتعويدهم على الطاعة والعبادة .
كثير من الناس يشتكى من عدم قدرته على تربية أبنائه ، فلو انتهزنا فرصة هذا الشهر وعود أولادنا على الصيام ، وكذلك الصلاة وقراءة القرآن والصدق والتحمّل ومراقبة الله في السر والعلن ، وبر الوالدين وصلة الأقارب والجيران والتصدق على الفقراء والمساكين والمجاهدين ، لو فعلنا ذلك أيها الأحبة ، لحمدنا العاقبة بإذن الله .
وفي حديث الرُّبيِّع بنت مُعوِّذ قالت : كنا نصومه – أي يوم عاشوراء – بُعد ، ونُصوِّم صبياننا ونجعل لهم اللعبة من العهن ، فإذا بكى أحدهم على الطعام أعطيناه ذاك حتى يكون عند الإفطار . أخرجه البخاري "الفتح" ج (4) ص (200) برقم (1960) ، "رمضان مدرسة الأجيال" للعمر ص (7-9 ، 19-53) .
رسائل إلى الأئمة :
1- فيما يتعلق بصلاة التراويح ، وذلك بنقرها والإسراع في القراءة وأداء أركانها ، وهذا من أعظم مكائد الشيطان لأهل الإيمان ، بل كثير ممن أطاعوا شيطان العجلة ، صلاتهم أقرب إلى اللعب منها للطاعة ، وقول الناس . أنّ الإمام إذا استعجل صلى معه أكثر الناس ، وإذا طول لم يصل معه إلاّ القليل ، فنقول : إنّ الشيطان له غرض خبيث ، ويحرص على ترك العمل ، فإن عجز عن ذلك ، سعى فيما يُبطل العمل ، وكثير من الأئمة في المدن وغيرها ، يفعل في صلاة التراويح ، فعل أهل الجاهلية ، ويصلون صلاة لا يعقلونها ، ولا يطمئنون في سجودها ولا ركوعها ، والطمأنينة ركن لا تصح الصلاة إلاّ بها . وليكن ما يكن من حدوث فُرقة بين الجماعة وبين الإمام ، يوم أن صار هواهم في التخفيف ، واعلم أيها الإمام أنّ لب الصلاة وروحها هو إقبال القلب على الله فيها ، ورُب قليل خير من كثير .
واعلمْ : أن الصلاة مكيال ، فمن وفّى وفيِّ له ، ومن طفّف فويل للمطففين .
واعلم : أنه يكره للإمام أن يُسرع سرعة تمنع المأمومين فعل ما يُسنّ ، فكيف بسرعة تمنعهم فعل ما يجب . وفي الحديث نهيه r : « عن نُقرة الغراب » قال ابن الأثير : يريد تخفيف السجود وأنه لا يمكث فيه إلاّ قدر وضع الغراب منقاره فيما يريد أكلُه .
وفي حديث آخر ، قال r : « أسوأ الناس سرقة الذي يسرق من صلاته » قالوا : يا رسول الله كيف يسرق من صلاته ؟ قال : « لا يتم ركوعها ولا سجودها »
2- فيما يتعلق بالقنوت في الوتر ظن بعض الأئمة أن القنوت لازم في كل ليلة ، وأنه لا بد وأن يكون بعد الركوع ، ومن فعل خلاف ذلك فقد أخطأ ، وهذا ليس بصحيح ، بل إن النبي r كان يقنت في ركعة الوتر أحياناً ، فالسنة فعله حيناً وتركه حيناً وأبي بن كعب رضي الله عنه ، صلى بالصحابة ، فقنت بهم في النصف الأخير من رمضان ، وللإمام أن يقنت قبل الركوع وبعده ، وهذا هو مذهب جمهور العلماء وغير واحد من المحققين لثبوت الأحاديث في ذلك ، غير أن الأحاديث التي فيها أن القنوت بعد الركوع هي أكثر وهو الأقيس ، كما ذكره ابن تيمية .
وأما رفع الأيدي فيه فهو مذهب جماهير العلماء ، وهو ثابت عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، والقنوت يكون في النصف الثاني من رمضان ، حيث عمل به كثير من أئمة السلف كعمر وابنه عبد الله وأبي والحسن وغيرهم ، وهو رواية عن أحمد ومذهب مالك والشافعي ولم يثبت عن أحد القنوت في النصف الأول من رمضان .
وأما صيغة الدعاء ، فلم يصح عن النبي r إلا ما علمه الحسن ، وهو قوله : « اللهم اهدنا فيمن هديت ، وعافنا فيمن عافيت ، وتولنا فيمن توليت ، وبارك لنا فيما أعطيت ، وقنا شر ما قضيت ، فإنك تقضي ولا يُقضى عليك ، إنه لا يذل من واليت ، ولا يعز من عاديت ، تبارك ربنا وتعاليت » أخرجه أحمد والترمذي والبيهقي بزياداته ، وهو صحيح . وورد بالإفراد والجمع .
وأما قنوت عمر : اللهم إنا نستعينك ونؤمن بك ونتوكل عليك ، ونثني عليك الخير كله ، ولا نكفرك ، اللهم إياك نعبد ، ولك نصلي ونسجد ، وإليك نسعى ونحفد ، نرجو رحمتك ، ونخشى عذابك ، إن عذابك الجد بالكفار ملحق ، اللهم عذب كفرة أهل الكتاب ، الذين يصدون عن سبيلك . فأخرجه ابن أبي شيبة والبيهقي وغيرهما ، وهو صحيح . وعمر فعل ذلك في قنوت الفجر في إحدى النوازل ، وليس فيه أنه كان يقنت به في الوتر .
وأما قوله : « اللهم إنا نعوذ برضاك من سخطك ، وبعفوك من عقوبتك ، بك منك ، لا نحصي ثناء عليك ، أنت كما أثنيت على نفسك » فأخرجه أبو داود وغيره عن علي مرفوعاً ، وهو صحيح .
فكان يقوله r في آخر وتره ، أي بعد السلام منه ، كما في رواية أبي داود وابن ماجه ، كما أفاده القاري ونقله المباركفوري ، وفي رواية النسائي : أنه كان يقوله إذا فرغ من صلاته وتبوأ مضجعه .
وأما الصلاة على النبي r فيه : فلم يصح حديث فيه ، إلاّ في بعض الآثار الثابتة عن بعض الصحابة ، فعلى هذا تكون مشروعة .
وأخيراً : لا بأس أن يدعو الإنسان بما يتيسر من الدعوات ، وإن لم تنقل ، غير أن الاعتناء بالدعاء المأثور أفضل ، لكن لا تنبغي الإطالة الزائدة ، التي توقع المأمومين في الملل والضجر .
وأذكّر أخوتي الأئمة : بأن تنميق وتحسين الدعاء من أجل الناس ، أو التحري فيه لإرضاء فلان أو علاّن ، داخل تحت حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال : قال رسول الله r : « ألا أخبركم بما هو أخوف عليكم عندي من المسيح الدجال » ، قالوا : بلى ، قال : « الشرك الخفي ، يقوم الرجل فيصلي ، فيزين صلاته لما يرى من نظر رجل » أخرجه أحمد وابن ماجه وغيرهما ، وهو حسن "صحيح الجامع" ج(1) ص(509) برقم (2607)
ولتعلم أئمة المساجد سنة نبيها r في الصلاة ، ففي حديث البراء بن عازب رضي الله عنه ، قال : كان ركوع النبي r وسجوده وبين السجدتين وإذا رفع من الركوع - ما خلا القيام والقعود - قريباً من السواء . متفق عليه "الفتح" ج(2) ص(276) برقم (792) .
3- إنّ واجب الإمام أن يتفقّه في أحكام الصلاة ، وأن يكون على نصيب كبير في معرفة أحكام صلاة التراويح والتهجد ، ويُنصح الأئمة بقراءة صفة صلاة النبي r . في "زاد المعاد" لابن القيم ج(1) ، و"كتاب الصلاة" وهو آخر مستقل لابن القيم ، وكتاب "صفة صلاة النبي r " للألباني ، وكتاب "القول المبين في أخطاء المصلين" لمشهور حسن محمود وسلمان ، وكتاب "قيام رمضان" للألباني .
ولتعلم أئمة المساجد أنه [ ليس يُوجد دليل على أن الأفضل أن يُكمل قراءة القرآن في التراويح ، وعلى هذا فالمهم الخشوع والطمأنينة والترتيل ، وليس المهم أن يختم ، فإذا ختم بهم من دون مشقة وأسمعهم القرآن كله ، فهذا حسن . ] ما بين القوسين لابن باز .
وننبّه بعض الأئمة الذين يختمون قبل نهاية الشهر ، حيث يعمد بعضهم إلى تخفيف الصلاة وتقليل القراءة بعد الختم ، ويقولون : الحمد الله ، ختمنا قبل نهاية الشهر ، كأن هؤلاء يرون أن المقصود من التراويح والتهجّد هو ختم القرآن ، لا إحياء هذه الليالي المباركة بالقيام اقتداءً بالنبي r وطلباً لفضائلها ، فهي ليالي الإعتاق من النار ، فينبغي التنبه لذلك .
وأخيراً ، نقول : إن الإمام مُحمّلٌ رسالة ، فيها الدعوة والتبليغ والتوجيه والأمر بالمعروف ، وطرح الموضوعات المفيدة من أحكام أو آداب أو توجيهات أو مواعظ ، وخاصة فرصة وجود المرأة في المسجد ، إنها فرصة حريّة بأن يستثمرها الدعاة والمصلحون .
وإن تعهّد الإمام جماعته بالتوجيه ، ليس مختصاً برمضان فقط ، بل هو عام في جميع أجزاء السنة ، وإنما خُصّ رمضان لكثرة تقبل الناس للخير والعلم وإقبالهم على الله .
فليحرص الإمام على ذلك ، بعد العصر وبعد المغرب وبعد العشاء ، بقراءةٍ لتفسير بعض الآيات أو الأحاديث أو الفتاوى ، مع أهمية تبيين غير الواضح منها ، وإن امرؤٌ آتاه الله عز وجل ما لم يؤتِ غيره واجب عليه تبليغ ما يعلم ، رجلاً كان أو امرأة ، في بيت أو مسجد أو مدرسة أو وظيفة ، كل بحسبه ، ولا تنس طلب المعونة من إخوتك في أن يمدوك ببعض المعلومات ويساعدوك ببعض المجهودات .
"حاشية الروض المربع" ج(2) ص(189-190) ، "تحفة الأحوذي" ج(10) ص(11) برقم (3637)
"إرواء الغليل" ج(2) ص(170-177) برقم(428-431) ، "قيام رمضان" للألباني ص(31-33)
"الجواب الصحيح من أحكام الليل والتراويح" ص(11-14 ، 39-41) ، "الإجابات البهية" ص(85-91)
"إتحاف أهل الإيمان بدروس رمضان" للفوزان ص(50) ،
"أحكام القنوت" لعدنان عرعور ص (71-87 ، 90-91) ، "كيف نستقبل شهر رمضان" للجار الله ص (26)
"مخالفات رمضان" للسدحان ص (74-79 ، 91-94)
المرأة في رمضان
إن الحديث عن المرأة في شهر رمضان حديث طويل ، وحسبنا في هذا المقام أن نوجز الحديث ، ونجعله على عدة نقاط :
1- أحكام :
أ- حضور المرأة للتراويح في المسجد : لا شك أيها الأحبة أنّ ذلك جائز ، وذلك إذا أُمِنت الفتنة منهن وبهن ، لقوله r : « لا تمنعوا إماء الله مساجد الله » ق . عن ابن عمر ، وعنه أيضا : أن النبي r قال : « ائذنوا للنساء بالليل إلى المساجد » بخ . "الفتح" ج(2) ص(382) برقم(899) و (900) . ولأن هذا من عمل السلف الصالح رضي الله عنهم ، غير أنّ صلاتها في بيتها أفضل ، لحديث ابن عمر رضي الله عنهما ، قال : قال رسول الله r : « لا تمنعوا نسائكم المساجد وبيوتهن خير لهن » أخرجه أبو داود ، وهو صحيح "صحيح سنن أبي داود" ج(1) ص(113) برقم(530)
وجاءت أم حميد رضي الله عنها إلى النبي r ، فقالت : يا رسول الله ، إني أحب الصلاة معك ، قال : « قد علمتُ أنكِ تحبين الصلاة معي ، وصلاتُكِ في بيتِك خيرٌ من صلاتك في حجرتك ، وصلاتك في حجرتك خير من صلاتك في دارك ، وصلاتك في دارك خير من صلاتك في مسجد قومك ، وصلاتك في مسجد قومك خير من صلاتكِ في مسجدي » قال : فأمَرَتْ ، فبُنِي لها مسجد في أقصى شيء من بيتها وأظلمه ، وكانت تصلي فيه حتى لقيت الله تعالى .
أخرجه أحمد وابن خزيمة عن أم حميد ، وهو حسن "الترغيب والترهيب" ج(1) ص(302) برقم(503)
وفي حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال : قال رسول الله r : « النساء عورة ، وإن المرأة لتخرج من بيتها وما بها بأس ، فيستشرفُها الشيطان ، فيقول : إنكِ لا تمرين بأحدٍ إلا أعجبتِيه ، وإن المرأة لتلبس ثيابها ، فيقال : أين تريدين ؟ فتقول : أعودُ مريضاً ، أو أشهد جنازة ، أو أصلي في مسجد . وما عبدتِ امرأة ربَّها مثل أن تعبده في بيتها »
أخرجه الطبراني في "الكبير" وهو حسن "الترغيب والترهيب" ج(1) ص(305) برقم(510)
وقد رأى أبو عمرو الشيباني عبد الله بن مسعود رضي الله عنه يُخرج النساء من المسجد يوم الجمعة ، ويقول : اخرجن إلى بيوتكن خير لكن .
أخرجه الطبراني في "الكبير" وهو حسن "الترغيب والترهيب" ج(1) ص(306) برقم(511)
والمراد أيها الأحبة : أن المرأة كلما استقرت وبَعُد منظرها عن أعين الناس كان أفضل لصلاتها ، وقد صرّح ابن خزيمة وجماعة من العلماء بأنّ صلاتها في دارها أفضل من صلاتها في المسجد ، وإن كان مسجد مكة أو المدينة أو بيت المقدس ، فالرجل كلّما بَعُد ممشاه وكثرت خطاه زاد أجره وعظمت حسناته ، والمرأة كلما بعد ممشاها قلَّ أجرها ونقصت حسناتها ، وهذا عام في صلاة الفرض والنفل ، ويستوي فيه المقيمات في مكة أو المدينة ، ومن أتت بقصد الحج أو العمرة أو الزيارة أياماً محدودة ، ولو قصيرة ، وهذا ما اختاره الحافظ الدمياطي وابن خزيمة ، وعليه الفتوى عند ابن عثيمين .
غير أنه ينبغي التنبيه إلى أنّ المرأة إذا خشيت أن تكسل إذا صلّت في بيتها ، وكانت صلاتها في المسجد أنشط لها وأُمِنت الفتنة ، أو كان هناك خير كسماع علم أو وعظ ونحو ذلك ، لا تناله إلا بذهابها إلى المسجد وأُمِنت الفتنة ، فقد نصّ بعض أهل العلم على أنّ الصلاة في المسجد أفضل .
وأختم حديثي بمقولة عائشة رضي الله عنها ، تقول : لو علم النبي r ما أحدث النساءُ بعده ، لمنعهن الخروج إلى المسجد .
يقول الحافظ الدمياطي رحمه الله – وهو من علماء القرن السابع - : هذا قولها في حق الصحابيات ونساء الصدر الأول ، فما ظنك لو رأت نساء زماننا هذا . ونحن نقول أيضا : فما ظنك لو رأت نساء زمانِنا هذا .
وفي الحقيقة أيها الأحبة : واجبٌ على المرأة ألاّ تغفل عن صبيانها وبناتها ، فقد يتعرضون عند خروج الوالدين إلى المسجد للصلاة : لأخطار محقَّقة ، من فساد في البيت أو خارجه ، عند غياب الأم والأب ، وإذا لعب الصبيان خارج البيت ، فربما يكون بين الصبيان في أثناء لعبهم شباب أكبر منهم سناً ، فيفسدهم أولئك الكبار ، إما بإيقاعهم في التدخين أو المخدرات أو الفاحشة أو غير ذلك من المفاسد ، فمن الخطأ أن تشتغل الأم بنافلة عن فريضة ، فإنّ رعاية أطفالها والمحافظة على بناتها في أرواحهم وأخلاقهم واجبٌ عليها وعلى أبيهم كذلك ، فوجب التنبّه لذلك أيها الآباء والأمهات .
ب- اصطحاب الأطفال الذين هم دون سن التمييز : أيها الأخوة في الله : إنّ الطفل عادةً لا يُملكُ عن العبث ورفع الصوت وكثرة الحركة والمرور بين الصفوف ونحو ذلك ، خاصة ومع كثرة الأطفال ، فإنه يحصل منهم إزعاجٌ للمصلين وإضرار بهم ، وتشويش كثير ، بحيث لا يُقبِل المصلي على صلاته ، ولا يخشع فيها ، لِما يسمع ويرى من هذه الآثار ، ولكأنما أصبح بعض المساجد روضة للأطفال أثناء صلاة التراويح .
ولذا فإنه لا يجوز اصطحاب الأطفال الذين هم دون سن التمييز ، وعلى الأولياء والمسئولين الانتباه لذلك ، والأخذ على أيدي السفهاء عن العبث واللعب ، وعليهم احترام المساجد وأهلها ، وهذا ما أفتى به فضيلة شيخنا عبد الله بن جبرين حفظه الله .
ج - ركوب المرأة وحدها مع السائق بدون محرم ، وذلك حرام ، يقول النبي r : « لا يخلون رجل بامرأة إلاّ كان ثالثهما الشيطان » أخرجه أحمد والترمذي عن عقبة بن عامر ، وهو صحيح "صحيح سنن الترمذي" ج(1) ص(343) برقم(934).
وذلك لما فيه من الخلوة المحرّمة خوفاً من الفتنة ، وسواء كانت ذاهبة إلى مسجد أو حضور علم أو دراسة أو تدريس أو سوق أو قضاء حاجة ، يقول النبي r : « لا يخلون رجل بامرأة إلا ومعها محرم »
أخرجه البخاري عن ابن عباس "الفتح" ج(6) ص(143) برقم(3006) .
وإذا كانت المرأة ولا بُدّ فاعلة لذلك ، فواجب أن يكون معها غيرها من محارم أو جمع من النساء ، تزول بهن الوحدة ، مع مراعاة قرب المكان ، وهذا ما أفتى به فضيلة شيخنا عبد الله بن جبرين حفظه الله .
وإنك أيها الأخ المبارك : لتعجب أشد العجب ، يوم أن تعلم أنّ رب الأسرة تلك منشغل عن أهله وبناته ببطالة في استراحة أو زراعة أو تجارة ، وتركهم لسائق ، يحل محلّه ، والأدهى والأمر يوم أن يكون ذلك السائق يهودي أو نصراني أو بوذي ، فتراه بعد أشهر قليلة واحدٌ من ذلك البيت ، يدخل ويخرج بما شاء إذا شاء كيف شاء، أخلاق قبيحة ، صفاتٌ مشينة ، ما مَثلُه إلاَّ كمثل كلبٍ ضارٍ يُخطّط لأكل النعاج ، فوجب الحذر من ذلك كله .
د- اعتكاف المرأة وخاصة في رمضان : الأفضل في حقها البقاء في بيتها ، والقيام بخدمة زوجها وولدها ، ولا يشغلها ذلك عن عبادة ربها ، ولأنّ خروجها مظنة الفتنة بها ، وفي انفرادها ما يعرضها للفسقة وأهل الفساد ، ولكن إن أمنت هذه المفاسد وكانت كبيرة السن ، وكان المسجد قريباً من أهلها ومحارمها ، جاز لها الاعتكاف فيه ، وعلى ذلك يُحمل اعتكاف زوجات النبي r بعده ، لقربهن من المسجد ، وهذا ما أفتى به شيخنا بن جبرين حفظه الله . "مجموع فتاوى الحرم" لابن عثيمين ج(2) ص(316-317) ، "الإجابات البهية" لابن جبرين ص(27-29 ، 96) ، "دروس رمضان" للعودة ص(71-72) ، "كي نستفيد من رمضان" لفهد بن سلمان ص(29-33)
والحائض والنفساء لا تصلي ولا تصوم ، فإذا طهرت قضت الصيام ولا تقضي الصلاة ، قالت عائشة رضي الله عنها : كان يصيبنا ذلك ، فنُؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمرُ بقضاء الصلاة . أخرجه مسلم "شرح النووي" ج(4) ص(267) برقم(335) .
فالصيام حرام عليها ، ولا يصح منها ، وإذا ظهر منها وهي صائمة ولو قبل الغروب بلحظة ، بطل صوم يومها ، ولزمها قضاؤه .
وإذا طهرت أثناء النهار ، لم يصح صومها بقية اليوم ، ولا يلزمها الإمساك إلى الغروب .
وإذا طهرت في الليل في رمضان ، ولو قبل الفجر بلحظة وجب عليها الصوم ، ويصح منها ، وإن لم تغتسل إلاّ بعد طلوع الفجر .
ومما يتعلق بالنفساء : أنها إذا طهرت ولو بعد ولادتها بيوم أو أسبوع أو أسبوعين ، ولو قبل الأربعين ، فإنها تصلي وتصوم وتحل لزوجها ، فإذا عاد إليها الدم في الأربعين بعد طهرها فهي نفساء ، وما سبق في حال طهرها من صلاة وصوم كله صحيح ، وإذا تجاوز الدم معها فوق الأربعين ، فهو استحاضة ، إلاّ إذا وافق ما بعد الأربعين أيام حيضها فهو حيض ، وهذا هو قول أكثر الفقهاء ، وهو ما يفتي به سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز وعبد الله بن جبرين .
ومما يتعلق بالحائض : أن الدم قد يستمر مع المرأة بعد أيام عادتها ، فمثلاً جرت العادة أنه في كل شهر أو شهرين (6) أيام أو (7) أيام ، وفي رمضان أحد عشر يوماً أو أكثر دون الستة عشر يوماً ، ففي هذه الحالة يُعتبر حيضاً ، إذ العادة تزيد وتنقص وتجتمع وتفترق ، وهذا هو الصواب ، وهو ما يفتي به سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز ومحمد بن عثيمين .
ز- استعمال حبوب منع الدورة الشهرية ، للصيام مع الناس في رمضان ، هذه الحبوب أجازها العلماء ، وذلك بعد استشارة طبيب مسلم حريص على سلامة المرأة المسلمة ، غير أنّ كثيراً من العلماء حذّر منها تحذيراً بالغاً ، لثبوت كثير من الأمراض بسببها كتقرح الرحم وتغيّر الدم واضطرابه ووجود العقم وتشوه الأجنة في المستقبل ، ويكفي أيها الأخوة أن نعلم جميعاً : أن هذا الدم أجراه الله عز وجل ، وجعل له أوقاتاً معينة ، فهو طبيعي ، وخروجه نافع ومفيد ، كالبول والغائط والمخاط ، ولو أن إنساناً حاول منع البول أو الغائط ، فإنّ هذا ضرره ظاهر ولا شك ، فكذلك هذا الدم .
ولما دخل النبي r على عائشة وهي معتمرة بحجة الوداع ، وجدها تبكي ، فقال : « مالك ؟ لعلك نفستِ »، قلتُ : نعم ، قال : « هذا شيء كتبه الله على بنات آدم ، افعلي ما يفعل الحاج ، غير ألاّ تطوفي بالبيت ...»
أخرجه مسلم عن عائشة "شرح النووي" ج(8) ص(398) برقم(1211) .
وبقي أن نُنبِّه فنقول : الأيام التي توقّفت فيها عن المرأة العادة بسبب هذه الحبوب ، لا يجب عليها قضاء تلك الأيام ."فتاوى إسلامية" ج(2) ص(145) و ج(1) ص(242 ، 244)
"فتاوى الحرم" لابن عثيمين ج(2) ص(281) ، "دروس رمضان" للعودة ص(71)
"ثلاثين درساً للصائمين" لحسين العلي ص(31-32) .
ع- وضع الحناء للصائمه ، لا بأس به ، وليس بمُفطِّر ، ولا يُؤثر على الصيام .
غ- تذوق الطعام ، لا بأس به عند الحاجة ، وذلك بأن يجعله على طرف لسانه ، ليعرف حلاوته وملوحته ، ولكن لا يبتلع منه شيئاً ، بل يمجه أو يخرجه من فيه .
"مخالفات رمضان" للسدحان ص(51-53) ، "فتاوى إسلامية" ج(2) ص(128) .
2- تنبيهات :
أ- درج بعض الناس على منع البنت الصغيرة من الصيام ، بحجة أنّ الصيام ليس واجباً عليها ، وهذا في الحقيقة يشمل الذكر والأنثى ، فمتى بلغ الإنسان سن التكليف وجب الصيام عليه ، ويحصل البلوغ بتمام خمس عشرة سنة أو بإنبات الشعر الخشن حول الفرج أو بالاحتلام ، وتزيد المرأة بالحيض أو الحمل ، فمتى حصل واحد من هذه الأشياء لزم الصيام ، وقد وجد في النساء من تحيض وهي في العاشرة أو الحادية عشرة من عمرها ، غير أنه يشرع للأبوين أن يُعوِّدا أولادهما على الصيام في الصغر إذا أطاقوا ذلك ، ولو دون عشر سنين ، ولو لم يبلغ ، والأجر للصائم ولوالديه أجر على ذلك .
"فتاوى إسلامية" ج(2) ص(116-117 ، 162) .
ب- إنه من المناظر المؤلمة التي نشاهدها في كل سنة في رمضان : ازدحام النساء في الأسواق ، طوال ليالي رمضان ، ويزيد هذا الازدحام ويصل ذروته في العشر الأواخر منه ! وارتياد بعض النسوة للتجوال في أماكن لا تزيدها إلا غفلة وبعداً عن الله ، ناهيك عن كثرة وقوف بعضهن أمام نوافذ الخياطين ، كلُ ذلك بحجة الاستعداد لعيد الفطر ، وشراء الملابس والحاجات الخاصة بالاحتفال به ، عجباً لهذا التصرف ، يا لله العجب ، ولكأنما أُمرنا بالاجتهاد في التسكع في الشوارع والأسواق في ليالي العشر من رمضان ، ولم نُؤمر بالاجتهاد في العبادة وتحري ليلة القدر ، وإنّ الأمر ليزداد خطورة في بيت الله الحرام ، وحول الكعبة أثناء الطواف ، فبعضهن يزاحمن الرجال ويقع الجميع في الفتنة .
وإني سائل أيها الأحبة : ماذا يحدث في الأسواق ، وبخاصة في رمضان ؟
إنهن نساءٌ كاسيات عارياتٌ سافرات ، يخرجن إلى الأسواق متعطّرات متطيباتٍ ، تفوح منهن الروائحُ المثيرة ، ويقعن في مخالفة شديدة صريحة ، يُخشى في الحقيقة أن ينطبق عليهن قول رسول الله r : « ... نساؤهم كاسيات عاريات ، على رؤوسهن كأسنمة البخت العجاف ، إلعنوهن فإنهن ملعونات ...» أخرجه أحمد وابن حبان وغيرهما عن عبد الله بن عمرو بن العاص مرفوعاً ، وفي سنده عبد الله بن عياش القتباني ، وهو صدوق يغلط ؛ غير أن مسلماً قد احتج به ، فالله أعلم ، والحديث ضعّفه جماعة ، وصححه جماعة كالحاكم وأحمد شاكر .
"مختصر المستدرك" لابن الملقن ج(7) ص(3266) برقم(1092) .
ولم يقف الأمر عند هذا الحدّ ، بل تعداه إلى الحضور إلى المساجد وشهود الجماعات وهن متطيبات ، تحمل بعضهن المباخر والمجامر لتطييب النسوة اللاتي في المساجد ، وهذا حرام لا شك فيه .
وقد خرج أبو هريرة رضي الله عنه من المسجد ضحى ، فلقي امرأة بها من العطر شيء – كما قال الراوي – لم أجد بأنفي مثله قط ، فقال لها أبو هريرة : عليك السلام ، فقالت : وعليك ، قال : فأين تريدين ؟ قالت : المسجد ، قال : ولأي شيء تطيّبت بهذا الطيب ؟ قالت : للمسجد ، قال : آلله ؟ قالت : آلله ، قال : آلله ؟ قالت : آلله ، قال أبو هريرة : فإنّ حبّي أبا القاسم r أخبرني أنه « لا تُقبل لامرأة صلاة تطيبت بطيب لغير زوجها ، حتى تغتسل منه غسلها من الجنابة » فاذهبي فاغتسلي منه ، ثم ارجعي فصلي .
أخرجه ابن ماجه وأبو داود وغيرهما ، وهو صحيح "الصحيحة" ج(3) ص(27) برقم (1031) .
والتحريم عام في الخروج إلى المساجد والأسواق وغيرها ، قال النبي r : « إذا استعطرت المرأةُ ، فمرّت على القوم ليجدوا ريحها فهي زانية »
أخرجه الحاكم وغيره ، وهو صحيح ، "صحيح الجامع" ج(1) ص (120) برقم(323) .
فلتتق الله المرأة في أولادها وإخوانها وشباب المسلمين ، الذين يجدون الفتنة في كل مكان ، في الإعلام والصحف والمجلات والأسواق والشوارع ، حتى وصلت الفتن إلى أطهر البقاع – مساجد الله التي يذكر فيها اسمه – فلتتق الله المرأة وتخشى عقوبته ، ولتلزم بيتها ، وإذا خرجت فلا يبدوا منها شيء ، فتفتن الشباب ، وتلعب بقلوبهم وعقولهم وأموالهم وأرواحهم .
ج- أن بعض النساء يكن على حالة حسنة في رمضان ، من الاجتهاد في الطاعة ، فإذا ما أتتها عادتُها فترت وكسلت ، وتركت ما كانت عليه من نشاط ، ولا شك أن هذا حرمانٌ لنفسها من الخير ، فأبواب الخير ولله الحمد كثيرة ، فأمامها أبوابٌ من الطاعات ، أمامها التسبيح والتحميد والتهليل والتكبير والصلاة على النبي r وسائرُ أذكار اليوم والليلة ، وكذا الدعاء ، أمامها قراءة القرآن ، أمامها الاستغفار ، أمامها الصدقة ، أمامها مطالعةُ كتبِ أهل العلم والأخذ منها ، إلاّ الصوم والصلاة ، فإنها محرّمة على المرأة إذا حاضت أو نفست ، ومن أبواب الخير الواسعة قيامها على خدمة الصائمين في بيتها ، كل هذا غير ما تحتسبُه من أن يُكتب لها مثلُ ما كانت تعمله أيام طهرها ؛ قال النبي r : « إذا مرض العبد أو سافر ، كُتب له مثلُ ما كان يعملُ مقيماً صحيحاً »
أخرجه البخاري عن أبي موسى مرفوعاً "الفتح" ج(136) برقم(2996)
"دروس رمضان" للعودة ص (71-72) ، "رمضان مدرسة الأجيال" للعمر (67-68) .
"ثلاثون درساً للصائمات" للعلي ص(13) ، "كيف نستفيد من رمضان" ص(25-29).
وبالله التوفيق ، وصلى الله وسلم على نبينا محمد بن عبد الله وعلى آله وصحبه أجمعين .
|