اضفه للمفضله اخبر عنا اتصل بنا البث المباشر

التاريخ : 7/8/1428 هـ

بحوث ودراســات

الشيخ/ جماز بن عبدالرحمن الجماز

الحلقات القرآنية

 

الحمد لله رب العالمين ، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد بن عبد الله ، وعلى آله وصحبه أجمعين . أما بعد :

فإن التعليم التربوي في المدارس والحلقات القرآنية من أشرف الأعمال وأجلها وأفضلها ، لتعلقه بكتاب الله تعالى ، فهذه وظيفة الرسول r ، فهو أول من قام بمهمة تعليم القرآن ، قال تعالى : {هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ} الجمعة: ٢وتنفيذاً لوصيته r ، فقد أوصى بهذا القرآن ، وقد روى البخاري في "صحيحه" أن طلحة قال : سألت عبد الله بن أبي أوفى ، آوصى النبي r ؟ فقال : لا ، فقلتُ : كيف كتب على الناس الوصية ، أُمِروا بها ولم يوصي ؟ قال : أوصى بكتاب الله . والمراد بذلك حفظه حساً ومعنى ، فيُكرَّم ويُصان ، ويُتبع ما فيه ، فيعمل بأوامره وتجتنب نواهيه ويداوم تلاوته وتعلّمه وتعليمه ، كما ذكره الحافظ ابن حجر .

وقد أدرك السلف هذه الحقيقة فطبقوها في واقعهم ، وذكر عبد الرزاق عن أبي عبد الرحمن السلمي قوله : كنا إذا تعلمنا عشر آيات من القرآن ، لم نتعلم العشر التي بعدها ، حتى نعرف حلالها وحرامها وأمرها ونهيها . واستمر سلف هذه الأمة يقومون بمهمة تعليم القرآن وتحفيظه للأجيال على مر العصور ، يقول ابن خلدون : اعلم أن تعليم الولدان للقرآن من شعار الدين ، أخذ به أهل الله ، ودرجوا عليه في جميع أمصارهم ، لما يسبق فيه إلى القلوب من رسوخ الإيمان وعقائده من آيات القرآن .

ولا شك أن هذا الأمرُ يبشّر بمستقبل مشرق لهذه الأمة ، إذ يحصل لمن يتعلم ويعمل به ما روي عن معاذ بن جبل رضي الله عنه موقوفاً ومرفوعاً : تعلموا العلم ، فإنه تعلّمه خشية ، وطلبه عبادة ، ومذاكرته تسبيح ، والبحث عنه جهاد ، وتعليمه لمن لا يعلمُه صدقة ، وبذلُه لأهلهِ قُربة ، لأنه معالِمُ الحلالِ والحرام ، ومنارُ سُبلِ أهل الجنة ، وهو الأنيسُ في الوحشة ، والصاحبُ في الغُربة ، والمُحدِّثُ في الخلوة ، والدليلُ على السرّاء والضراءِ ، والسلاحُ على الأعداء ، والزينُ عند الأخلاَّء ، يرفعُ اللهُ به أقواماً فيجعلُهم في الخير قادة وأئمة ، تُقتصّ آثارُهم ويُقتدى بفعالهم ويُنتهى إلى رأيهم ، ترغَبُ الملائكة في خُلتِهم ، وبأجنحتها تمسحهُم ، يستغفرُ لهم كلُّ رطبٍ ويابسٍ وحيتان البحر – وهو امَّة - ، وسبائع البر وأنغامه ، لأن العلم حياة القلوب من الجهل ، ومصابيح الأبصار من الظُلم ، يبلغ العبد بالعلم منازل الأخيار والدرجات العلى في الدنيا والآخرة ، والتفكُّر فيه يعدِلُ الصيام ، ومدارسته تعدِل القيام ، به تُوصلُ الأرحام ، وبه يعرف الحلال من الحرام ، وهو إمام العمل ، والعمل تابعه ، يُلهمُه السعداءُ ويُحرمُه الأشقياء . رواه ابن عبد البر في "جامع بيان العلم" وقال : هو حديث حسن ، ولكن ليس له إسناد قوي ، قال العراقي : قوله حسن ، أراد به الحسن المعنوي ، يعني أنه حسن معناه ، لا الحسن المصطلح عليه عند المحدثين ، بدليل قوله : ليس له إسناد قوي ا.هـ

ولا شك أن انتشار الحلقات القرآنية والمدارس المتخصّصة في تعليم القرآن الكريم وعلومه هو بداية انتصار الأمة وعودة قيادة البشرية إليها ، كما كانت في سابق مجدها ، لذلك ينبغي أن ننوّع في وسائلنا و أساليبنا التعليمية والتربوية في تعليم كتاب الله تعالى من خلال المراجعة المستمرة ، لتقويم المسيرة التربوية لهذه المدارس والحلقات القرآنية التي يتم فيها تربية الأجيال على هدي الكتاب العزيز .

"فتح الباري" (9/85) رقم (5022) ، "الجامع لأحكام القرآن" للقرطبي (1/30)

"مقدمة ابن خلدون" ص (537) ، "الترغيب والترهيب" للمنذري (1/121) رقم (107)

"تنزيه الشريعة" لابن عرّاق (1/281) رقم (111)

"تخريج أحاديث الأحياء" جمع الحداد (1/86) رقم (68)

"مهارات التدريس في الحلقات القرآنية" لعلي الزهراني ص (8-11) .

أهداف الحلقات القرآنية :

1- بيان الأسلوب التربوي التعليمي الأمثل من وجهة النظر التربوية في تعليم كتاب الله تعالى وتحفيظه للأجيال في المدارس والحلقات القرآنية ، ليبقى الاتصال مستمراً بين الأرض والسماء حتى تقوم الساعة ، وفي كل بقاع المعمورة .

2- تعليم القرآن وترويض التلاميذ على آدابه وأخلاقه ، وتربيتهم حسب ما تقتضيه تعاليم القرآن من حسن السلوك والاستقامة ، فليس الهدف الحفظ ، بل العمل بالقرآن ، لأن ذلك غاية الحفظ .

وقد أخبر عبد الله بن مسعود رضي الله عنه عن حال أهل العصر ، فقال : إنه صعُب علينا حفظ ألفاظ القرآن وسَهُل علينا العمل به ، وإن من بعدنا يسهل عليهم حفظ القرآن ، ويصعب عليهم العمل به . ذكره القرطبي في مقدمة تفسيره .

فالواجب الحذر والحيطة ، وقد قال الفضيل بن عياض : إنما أنزل القرآن ليُعمل به ، فاتخذ الناس قراءته عملاً ، قيل : وكيف العمل به ؟ قال : يُحِلُّوا حلاله ، ويُحرِمُّوا حرامه ، ويأتمروا بأوامره ، وينزجروا عن زواجره ، ويقفوا عند عجائبه . رواه الآجري .

3- تطويع ألسنة الصغار على بليغِ القول وفصيح الكلام المعجز ، كلام رب العالمين .

4- إحياء المنهج السلفي في العلم والعمل ، الذي وصفه عبد الله بن مسعود رضي الله عنه بقوله : كنا لا نتجاوز العشر الآيات ، حتى نتعلَّم ما فيهن من العلم والعمل . ذكره بمعناه أبو عمرو الداني ، وأورد القرطبي في مقدمة تفسيره معناه

"الجامع لأحكام القرآن" للقرطبي (1/30-31) ، "أخلاق حملة القرآن" للآجري ص (50-51)

"مهارات التدريس في الحلقات القرآنية" لعلي الزهراني ص (18-19)

نشأة الحلقات القرآنية :

يعود تاريخ التعليم القرآني إلى بدء نزول الوحي على رسول الله r بواسطة جبريل عليه السلام في غار حراء ، وكانت أول سورة بدأ نزولها سورة العلق المبدوءة بإقرأ ، وتعلمها عليه الصلاة والسلام مشافهة قراءة تعليم بطريقة التلقي ، كما ذكره القرطبي .

ولقد اهتم الرسول r بإقراء الصحابة ما أُنزل عليه من آيات القرآن ، وبدأ النشاط التربوي التعليمي بمكة قبل الهجرة في بيت النبوة ، يوم أن كانت أعدادهم قليلة ، وبعد أن زاد إقبال الناس آنذاك على الدخول في الإسلام ، وزاد حجم الجماعة المسلمة ، انتقل العمل التربوي القرآني إلى دار الأرقم بن أبي الأرقم ، وأصبح الناس يلتقون بالرسول r ويتلقّون عنه ، حيث قام بنفسه r بهذا النشاط ، فعن أبي عبد الرحمن السلمي قال : حدثنا من كان يقرئنا من أصحاب النبي r - هو ابن مسعود ، كما صرح بذلك في رواية الحاكم – أنهم كانوا يقترئون من رسول الله r عشر آيات فلا يأخذون في العشر الأخرى حتى يعلموا ما في هذه من العلم والعمل ، قالوا : فعلمنا العلم والعمل . خرّجه أحمد في "المسند" والحاكم في "المستدرك" وصححه ، ووافقه الذهبي ، وهو صحيح .

ولم يكتف الرسول r بذلك ، بل أمر الصحابة أن يتلقوا القرآن مشافهة ، وأن يتحرّوا تلقيه من المتقنين ، وقراءته على الضابطين ، ونوّه بعدد منهم ، فقال r : « خذوا القرآن من أربعة : من عبد الله بن مسعود ، وسالم ، ومعاذ ، وأبي بن كعب » خرّجه البخاري في "صحيحه" .

وأمر الصحابة أيضاً بعد تعلّمه وإتقانه ، تعليمه للناس ، فعن أبي موسى الأشعري : "أن رسول الله r بعث معاذاً وأبا موسى إلى اليمن ، يأمرهما أن يُعلِّما الناس القرآن ". خرجه أحمد في "المسند" وهو حسن .

أما إذا قدم رجل مهاجر إلى رسول الله r ، وكان مشغولاً بمصالح المسلمين ، دفعه إلى أولئك التلاميذ النجباء ليعلموه القرآن ، وعن عبادة بن الصامت قال : كان رسول الله r يُشغل ، فإذا قدم رجل مهاجر على رسول الله r ، دفعه إلى رجل منا يُعلِّمه القرآن ... خرّجه أحمد في "المسند" وهو صحيح .

وكان مصعب بن عمير رضي الله عنه يُلقَب بالمقرئ ، وعُرف عنه ذلك ، لأن مهمته التي انتدبه الرسول r لها بالمدينة هي تعليم القرآن .

وكانت الحلقات القرآنية والعلمية منتشرة في مسجد الرسول r ، يقوم بإدارتها بنفسه ، وهو الأكثر ، أو من قبل أصحابه رضي الله عنهم تحت إشرافه ومتابعته وملاحظته وتوجيهه ، وفي حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال : خرج رسول الله r ذات يوم من بعض حجره ، فدخل المسجد ، فإذا هو بحلقتين ، إحداهما يقرئون القرآن ويدعون الله ، والأخرى يتعلّمون ويُعلّمون ، فقال النبي r : « كلٌ على خير ، هؤلاء يقرئون القرآن ويدعون الله ، فإن شاء أعطاهم وإن شاء منعهم ، وهؤلاء يتعلّمون ويعلِّمون ، وإنما بُعثت مُعلّماً » فجلس معهم ، خرّجه ابن ماجه ، وهو ضعيف ؛ وفي حديث صفوان بن عسّال قال : أتيت النبي r وهو في المسجد متكئ على بُردٍ أحمر ، فقلت له : يا رسول الله ، إني جئت أطلبُ العلم ، فقال : « مرحباً بطالب العلم ، إن طالب العلم لتحفُّه الملائكة بأجنحتها ، ثم يركبُ بعضهم بعضاً حتى يبلغوا السماء الدنيا من محبتهم لما يطلبُ » خرّجه أحمد والطبراني في "الكبير" واللفظ له ، وجوّده المنذري .

وحتى بعد وفاته r لم تزل الحلقات القرآنية والعلمية قائمة ، يقوم عليها خيار الصحابة رضي الله عنهم ، وفي حديث أبي هريرة : أنه مرّ بسوق المدينة فوقف عليها ، فقال : يا أهل السوق ، ما أعجزكم ! قالوا : وما ذاك يا أبا هريرة ؟ قال : ذاك ميراث رسول الله r يُقسم وأنتم هاهنا ، ألا تذهبون فتأخذون نصيبكم منه ، قالوا : وأين هو ؟ قال : في المسجد ، فخرجوا سراعاً ووقف أبو هريرة لهم ، حتى رجعوا ، فقال لهم : ما لكم ؟ فقالوا : يا أبا هريرة ، قد أتينا المسجد فدخلنا فيه ، فلم نر فيه شيئاً يُقسم ! فقال لهم أبو هريرة : وما رأيتم في المسجد أحداً ؟ قالوا : بلى ، رأينا قوماً يصلون ، وقوماً يقرؤون القرآن ، وقوماً يتذاكرون الحلال والحرام ، فقال لهم أبو هريرة : ويحكم ، فذاك ميراث محمد r خرّجه الطبراني في "الأوسط" وحسّنه المنذري .

ثم استمر عطاء المدرسة المحمدية ، فأخرجت التلاميذ النجباء ، فهذا معاذ بن جبل رضي الله عنه ، أبقاه الرسول r بمكة بعد الفتح ، يُفقّه الناس في الدين ، ويعلّمهم القرآن ، ثم بعثه قاضياً إلى اليمن ليعلم الناس القرآن وشرائع الإسلام ، وتوفي عليه الصلاة والسلام ومعاذ في اليمن ؛ وهذا أبو عبيدة عامر بن الجراح رضي الله عنه ، بعثه عليه الصلاة والسلام إلى أهل نجران – بناءً على طلب وفدهم – ليعلمهم الإسلام ، ثم أرسل إليهم عمرو بن حزم رضي الله عنه وهو ابن سبع عشرة سنة ، ليفقههم في الدين ويعلمهم القرآن .

وتنقطع أخبار إرسال البعثات التعليمية في خلافة الصديق رضي الله عنه ، وربما يرجع ذلك إلى أحداث الردة ، ثم تنشط هذه البعثات التربوية التعليمية في خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، حيث بعث رجلاً يقال له أبو سفيان ، يستقرئ أهل البوادي القرآن ، فمن لم يقرأ ضربه بالسوط .

ثم انتشر الصحابة في الأمصار ، لتعليم القرآن والعلم ، فهذا عمر بن الخطاب رضي الله عنه يبعث عشرة من الصحابة إلى البصرة ليُعلِّموا الناس ، وفيهم عبد الله بن مُغفَّل ، وبعث عمر أيضاً معاذ بن جبل وعبادة بن الصامت وأبا الدرداء رضي الله عنهم إلى الشام ، لتعليم القرآن ، وهذا أبو موسى الأشعري قدم البصرة والياً ، وجعل يُقرئ الناس القرآن ، حِلقاً حِلَقاً .

وهذا عبد الله بن مسعود ، بعثه عمر أيضا إلى الكوفة .

وهكذا بدأ تأسيس الحلقات القرآنية المُنظّمة ، وانتشرت في البوادي والأمصار ، وكانت المدينة النبوية والكوفة من أشهر المدن عناية بالقرآن الكريم وقراءته وإقرائه وتفسيره ، ووصفهم عمر بن الخطاب رضي الله عنهم بأن لهم دوياًّ بالقرآن كدويّ النحل .

قال ابن حزم : وفي هذه الجزيرة من المدن والقرى ما لا يُعرف عدده إلا الله ، كاليمن والبحرين وعمان ونجد وجبلي طي ورببة وقضاعة والطائف ومكة ، كلهم قد أسلم وبنو المساجد ، ليس منهم مدينة ولا قرية ولا حلة لأعراب إلا قد قُرئ فيها القرآن في الصلوات ، وعُلِّمه الصبيان والرجال والنساء ... ثم مات أبو بكر ، وولي عمر ، ففُتِحت بلاد الفرس طولاً وعرضاً ، وفتحت الشام كلها ، والجزيرة ، ومصر كلها ، ولم يبق بلدٌ إلاّ وبُنيت فيه المساجد ونُسخت فيه المصاحف وقَرأ الأئمة القرآن وعُلِّمه الصبيان في الكتاب شرقاً وغرباً .

وهكذا استمر الاهتمام بتعليم القرآن في عهد عثمان بن عفان رضي الله عنه ، وعَيّن مقرئاً خاصاً لكل مصر من الأمصار التي بعث إليها بمصحف ، وذلك بعد توحيده المصاحف ، وقد بعث عثمان رضي الله عنه أبا عبد الرحمن السلمي إلى الكوفة لتعليم القرآن ، وقُدِّرت المدة الزمنية التي قضاها في هذه المهمة التعليمية التربوية الشريفة سبعين سنة .

وشكلّ هؤلاء مرجعية قرآنية ، وأصبحوا أئمة يُقتدى بهم ، ويُرحلُ إليهم ، ويؤخذ عنهم في المدينة ومكة والكوفة والبصرة والشام .

وتطور الأمر إلى تأصيل كيفية القراءة الصحيحة الثابتة عنه r ، وبدأ التأليف في علم القراءات وتدوينها ، ثم بدأ التعليم القرآني يتم في بيئات تربوية تشبه الحلقات القرآنية أو المدارس المعاصرة ، وكان يطلق عليها "دور القرآن" وأول مدرسة أُنشئت وأفردت للقرآن ، كانت دار القرآن الرشائية في حدود الأربعمائة ، أي : آخر القرن الرابع وأوائل القرن الخامس ، وفي القرن السابع أنشئت مدرسة ثانية هي المدرسة الوجيهية .

واستمرت المدارس والحلقات والمعاهد العلمية التي تُعلّم القرآن وعلومه ، وإلى عصرنا هذا .

"الجامع لأحكام القرآن" للقرطبي (20/80) ، "الفتح الرباني" لأحمد البنا (18/8-9)

"فتح الباري" لابن حجر (9/58) رقم (4999) ، "مسند أحمد" (17/10) رقم (23374)

"مسند أحمد" (16/416) رقم (22665) ، "مستدرك الحاكم" (1/743) رقم (2047)

"الصحيحة" للألباني (1/460) رقم (256) ، "الخلافة الراشدة" أكرم العمري ص (265 ، 271-274)

"المسجد ودوره التعليمي عبر العصور من خلال الحلقة التعليمية" لعبد الله قاسم الوشلي ص (23)

"سنن ابن ماجه" (1/83) رقم (299) ، "الضعيفة" للألباني (1/22) رقم (11)

"الترغيب والترهيب" للمنذري (1/122) رقم (108 ، 134) رقم (138)

"مسند أحمد" (14/67) رقم (18007) ، "القراءات القرآنية" لعبد الهادي الفضلي ص (20 ، 24-26)

"دور القرآن في دمشق" لعبد القادر النعيمي ص (9) ، "سنن القراء" لعبد العزيز قارئ ص (6)

"مهارات التدريس في الحلقات القرآنية" لعلي الزهراني ص (21-30)

أهمية الحلقات القرآنية :

الحلقات القرآنية في المجتمع ضرورة شرعية وتربوية ، وبها يُعاد الدور التربوي للمسجد ، وهي من ألصق الوظائف بالمسجد ، فالمساجد كانت مواضع الأئمة ومجامع الأمة ، فيها الصلاة والقراءة والذكر وتعليم العلم ، ومنها إكساب الكثير من الفضائل التي تنشدها التربية الإسلامية كالاجتماع والوحدة والالتزام بآداب المسجد وترويض لنفوس الصغار للارتباط بالمسجد .

وهي من الوسائل التي تُؤدي إلى تقدّم الأمة في مجالات الحياة المختلفة ، فهذه الحلقات تُخرّج أعلاماً يُنيرون الطريق بعلمهم وفكرهم وإرشادهم ، والدارس لسير العلماء العاملين في الأمة على مرِّ التاريخ يجدهم حُفّاظاً لكتاب الله تعالى ، وظهر بهذا أن تعليم القرآن الكريم وتعلمه وحفظه هو المنطلق نحو الرقي العلمي ، بل هو الأساس في تعليم وتربية العلماء العاملين .

"فتاوى ابن تيمية" جمع ابن قاسم (35/39)

"من أعلام التربية العربية الإسلامية" لعبد الغني عبود العبدري (3/338)

"التربية الإسلامية دعوة الحق" عدد (112) لسراج وزان ص (96)

"مهارات التدريس في الحلقات القرآنية" لعلي الزهراني ص (33/34)

فضل الاجتماع في الحلقات القرآنية

الاجتماع لدراسة القرآن الكريم في الحلقات القرآنية أعظم أجراً وفضلاً ، وقد بيّن النبي r ثمرة هذا الاجتماع المبارك على مأدبة القرآن ، كما في حديث أبي هريرة : أن النبي r قال : « وما اجتمع قومٌ في بيت من بيوت الله ، يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم ، إلا نزلت عليهم السكينة وغشيتهم الرحمة وذكرهم الله فيمن عنده » خرّجه مسلم .

ولأهمية هذا الاجتماع ، عقد العلماء له أبواباً في مصنفاتهم ، ففي "صحيح مسلم" باب فضل الاجتماع على تلاوة القرآن ، وفي كتاب الآجري "أخلاق حملة القرآن" باب فضل الاجتماع في المسجد لدرس القرآن .

وقد كان سلف الأمة من الصحابة والتابعين وتابعيهم يجتمعون على قراءة القرآن في حلق المساجد أو الكتاتيب والدور القرآنية ، لصلاح قلوبهم وزكاة نفوسهم .

وكان أصحاب رسول الله r إذا اجتمعوا ، أمروا واحداً منهم يقرأ ، والباقون يستمعون . ذكره ابن تيمية .

وكان النبي r يقرأ القرآن على الحفاظ من أصحابه ، كما قرأ علَى أبيّ بن كعب ، وفيه تعليم للناس على أهمية الاجتماع على القرآن ، والقراءة على من دونك في المنزلة ، لئلا يأنف أحد من التعلم ، وفيه التواضع ، وحديث أبيّ في صحيح البخاري ، ولا شك أن هذه إشارة إلى أهمية الاجتماع ، وفيها تزكية للنفوس وإعداداً للمربين الذين يقومون بهذه المهمة الشريفة ، وليس ذلك إلا عن طريق الحلقات القرآنية المباركة .

وبهذا تصبح قراءة القرآن وعرض الطالب على المعلم القرآن : سنة نبوية .

"شرح مسلم" (17/24) رقم (2699) ، "فتح الباري" (7/160-161) رقم (3809)

"فتاوى ابن تيمية" (11/557 ، 589-590) ، "أخلاق حملة القرآن" للآجري ص (33) باب رقم (3) .

فضل تعلم القرآن في الحلقات القرآنية :

إن تعلم القرآن من أفضل القربات إلى الله تعالى ، ومتعلّمه يحظى بالخيرية في الدنيا والآخرة ، وفي حديث عثمان بن عفان : أن النبي r قال : « إن أفضلكم من تعلم القرآن وعلّمه » خرّجه البخاري في صحيحه .

ومن فضائل تعلّمه : أن العبد ينال به الرّقي والسؤدد في الدنيا ، وفي الخبر : ( أن نافع بن عبد الحارث لقي عمر بن الخطاب بعُسْفان ، وكان عمر استعمله على مكة ، فقال عمر : من استخلفت على أهل الوادي ؟ قال : استخلفت عليهم ابن أبزى ، قال : ومن ابنُ أبزى ؟ قال : رجل من موالينا ، قال عمر : فاستخلفت عليهم مولى ؟ قال : إنه قارئ لكتاب الله تعالى ، عالم بالفرائض ، قاضٍ ؛ قال عمر : أما إن نبيّكم r قال : « إن الله يرفع بهذا الكتاب أقواماً ، ويضع به آخرين » خرّجه ابن ماجه ، وهو صحيح .

ومن فضائله : أنّه يُعطي لحامله مزية عن غيره ، حيث تكون له الأولوية في إمامة الناس ، قال r : « يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله ...» خرّجه مسلم في صحيحه ، وفي رواية لمسلم : « وأحقهم بالأمامة أقرؤهم » .

ومن فضائله : أنه من وسائل زيادة الإيمان وتقويته ، فعن جندب قال : كنا غلماناً حزاورة – أي قاربنا البلوغ – مع رسول الله r ، فتعلمنا الإيمان قبل أن نتعلم القرآن ، فازددنا به إيماناً . ذكره الذهبي في السير ، وهو جندب بن عبد الله البجلي .

ومن فضائله : أن صاحب القرآن يُقدَّم عند الدفن في اللحد إذا مات ، وذلك إذا كانوا أكثر من واحد ، كما في حديث جابر : أن النبي r كان يجمع بين الرجلين من قتلى أحد في ثوب واحد ، ثم يقول : « أيهم أكثر أخذاً للقرآن ؟ » فإذا أشير له إلى أحدهما قدّمه في اللحد ... خرّجه البخاري في "صحيحه" .

ويُعتبر تعليم القرآن من أشرف مظاهر الدعوة إلى الله تعالى ، كما قال تعالى :{وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ } فصلت: ٣٣  قال ابن حجر : القرآن أشرف العلوم ، فيكون من تعلّمه وعلّمه لغيره أشرف ممن تعلّم غير القرآن وإن علّمه ا.هـ ، ونقل ابن سحنون في "آداب المعلمين" عن عثمان رضي الله عنه في قوله تعالى : { ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا } فاطر: ٣٢ قال : كل من تعلّم القرآن وعلّمه فهو ممن اصطفاه الله من بني آدم .

وتَعلُّم القرآن الكريم يَرقى بصاحبه إلى درجة عظيمة ومنزلة رفيعة ، حيث يرافق السفرة الكرام البررة في الجنة ، قال r : « الماهر بالقرآن مع السفرة الكرام البررة ، والذي يقرأ القرآن ويتتعتع فيه وهو عليه شاق له أجران » خرّجه مسلم في "صحيحه" .

بل إن صاحب القرآن يوم القيامة تكون منزلته عند آخر آية يقرؤها ، وهذا الثواب لا يناله إلا من حفظ القرآن وأتقن أداءه وقراءته كما ينبغي ، قال r : « يقال لصاحب القرآن : اقرأ وارتق ورتل كما كنت ترتل في الدنيا ، فإن منزلتك عند آخر آية تقرؤها » خرجه أبو داود وغيره وهو صحيح .

ومن النصوص السابقة : يتبين لنا فضل تعلم القرآن ، سواء في الحلقات ، أو المدارس ، أو بيئات التربية الأخرى ؛ وأن إعراض أي مجتمع عن العناية بتعليم القرآن والنظر في كتاب الله وتفهمه والعمل به : من أعظم المناكير وأشنعها ، وإن ظن فاعلوه أنهم على هدى .

"فتح الباري" (9/93) رقم (5028) و (3/270) رقم (1347)

"سنن ابن ماجه" (1/78-79) رقم (218) ، "صحيح ابن ماجه" للألباني (1/43) رقم (179)

"شرح مسلم" (5/178-179) رقم (289-290) ، "فتح الباري" (9/96)

"سير أعلام النبلاء" للذهبي (3/175)

"نزهة الفضلاء تهذيب سير أعلام النبلاء" لمحمد بن حسن (1/249) رقم (130)

"التربية في الإسلام" أحمد فؤاد الأهواني ص (352) ، "شرح مسلم" (6/331-332) رقم (244)

"سنن أبي داود" (2/153) رقم (1464) ، "صحيح أبي داود" للألباني (1/275) رقم (1300)

"عون المعبود" لشمس الحق العظيم آبادي (4/237)

"مهارات التدريس في الحلقات القرآنية" لعلي الزهراني ص (38-40)

فضل تعليم القرآن في الحلقات القرآنية :

إن القيام بتعليم القرآن الكريم وبيانه للناس من أعظم الأعمال وأجل القربات إلى الله تعالى ، وعدّه كثير من العلماء أفضل القرب ، بل فضّله بعض العلماء كالثوري على الجهاد في سبيل الله تعالى .

وهو باب من أبواب الدعوة إلى الله تعالى ، قال ابن حجر : والدعوة إلى الله تعالى تقع بأمور شتى ، من جملتها تعليم القرآن ، وهو أشرف الجميع ا.هـ

بل معلم القرآن الكريم من خيار الأمة ، فهو خيار من خيار ، قال تعالى : {كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ } آل عمران: ١١٠ وفي حديث درة بنت أبي لهب قالت : قام رجل إلى النبي r وهو على المنبر فقال : يا رسول الله ، أي الناس خير ؟ فقال : « خير الناس أقرؤهم وأتقاهم وآمرهم بالمعروف وأنهاهم عن المنكر وأوصلهم للرحم » خرّجه أحمد في "المسند" وهو صحيح .

ولا شك أن القيام بهذه المهمة هي قيام بواحد من حقوق الرسول r على أمته ، واستجابة لأمره r ، حيث قال : « بلّغوا عني ولو آية » خرّجه البخاري في "صحيحه" .

ومما يدل على أهمية تعليم القرآن وفضله : أن الله تعالى قد أخذ العهد والميثاق على كل أمة أنزل عليها كتاباً أن تتعلّمه وتعلمه ، ولا تكتم منه شيئاً أو تقصّر في نشره ، كما قال تعالى : {وَإِذَ أَخَذَ اللّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلاَ تَكْتُمُونَهُ} آل عمران: ١٨٧ وقد توعد الله تعالى الذين يكتمون القرآن ولا يعلّمونه ولا ينشرونه ولا يبينون أحكامه للأمة ، بالطرد والإبعاد من رحمة الله تعالى، قال تعالى :{إِلاَّ الَّذِينَ تَابُواْ وَأَصْلَحُواْ وَبَيَّنُواْ فَأُوْلَـئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} البقرة: ١٦٠.

ومن أعظم فضائل تعليم القرآن الكريم ، سواء في الحلقات القرآنية أو المدارس أو غيرها : أنه يعوُد على المعلم والمتعلم بالنفع والأجر والثواب ، ذلك أن نفع تعليم القرآن من النفع المتعدي ، والذي يلحق المعلم بعد موته ، وينال بذلك شرف الدنيا والآخرة ؛ قال ابن جماعة : واعلم أن الطالب الصالح أعود على العالم بخير الدنيا والآخرة من أعز الناس عليه وأقرب أهله إليه ، ولذلك  كان علماء السلف الناصحون لله ودينه يُلقون شبك الاجتهاد لصيد طالب ينتفع الناس به في حياتهم ومن بعدهم ، ولو لم يكن للعالم إلا طالب واحد ينتفع الناس بعلمه وعمله وهديه وإرشاده ، لكفاه ذلك الطالب عند الله تعالى ، فإنه لا يتصل شيء من علمه إلى أحد فينتفع به ، إلا كان له نصيب من الأجر ، كما جاء في الحديث الصحيح عن النبي r : « إذا مات العبد انقطع عمله إلا من ثلاثه ، إلا من صدقة جارية ، أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعوا له » ا.هـ والحديث خرجه مسلم في "صحيحه" بلفظ « إذا مات الإنسان » .

وهذا كله يدل على أن تعلّم القرآن من أعظم الأعمال وأجل الأفعال التي يدّخرها العبد ليوم المعاد ، فسبحان من اختصّ من شاء من عباده بما شاء من جزيل عطائه .

وتعليم القرآن من نشر العلم ، وأفضل العلم كلام الله عز وجل ، وفي حديث سهل بن معاذ بن أنس عن أبيه ، أن النبي r قال : « من علّم علماً ، فله أجر من عمل به ، لا ينقص من أجر العامل » خرّجه ابن ماجه ، وهو حسن .

وفي حديث أبي هريرة : أن النبي r قال : « من جاء مسجدي هذا ، لم يأته إلا لخير يتعلّمه أو يُعلِّمه ، فهو بمنزلة المجاهد في سبيل الله ، ومن جاء لغير ذلك فهو بمنزلة الرجل ينظر إلى متاع غيره » خرّجه ابن ماجه ، وهو صحيح .

وفي حديث أبي أمامة : أن النبي r قال : « من غدا إلى المسجد لا يريد إلا أن يتعلّم خيراً أو يُعلِّمه كان له كأجر حاجٍ تاماً حجتُه » رواه الطبراني في "الكبير" قال المنذري : بإسناد لا بأس به ، وقال العراقي : إسناده جيد ، ورواه الحاكم وفيه زيادة وصححه ، وقال الذهبي : على شرط البخاري .

وفي حديث أبي ذر : أن النبي r قال له : « يا أبا ذر ، لأن تغدو فتعلّم آية من كتاب الله ، خير من أن تُصلي مائة ركعة ، ولأن تغدو فتعلّم باباً من العلم – عُمِل به أو لم يُعمل – خير من أن تُصلِّي ألف ركعة » خرّجه ابن ماجه ، وضعّفه جماعة ، وحسّنه آخرون ، وحسّنه المنذري .

وبعد هذا ، فهل يتنبه لهذا الأمر إخواني ، ويقبلون على المشاركة في هذا العمل الجليل ، بتعليم الكتاب الكريم في الحلقات القرآنية ، فإن الحلقات تشتكي من قلة المدرسين ، وجماعات تحفيظ القرآن تشكي ابتعاد أولئك المتخرجين من الجامعات الشرعية عن المشاركة في تعليم القرآن الكريم في المدن والقرى ، وهكذا فئام من الناس كثير قد انشغل بدنياه وأصحابه ، وصار يلهث وراء السراب .

وأصبحت الحلقات تفتقر إلى المدرسين المؤهلين تربويًّا وعلميًّا ومهنيًّا للقيام بهذه المهمة ، نتيجة لهذه البطالة المُقنّعة أو الورع البارد . والله المستعان .

"الإتقان في علوم القرآن" للسيوطي (1/311)

"فتح الباري" لابن حجر (9/96-97) رقم (5027) و (6/606) رقم (3461)

"مسند أحمد" (18/546) رقم (27307) ، "تذكرة السامع والمتكلم" لابن جماعة ص (63-64)

"شرح مسلم" (11/94) رقم (1631) ، "مجمع الزوائد" للهيثمي (1/122-123)

"سنن ابن ماجه" (1/88) رقم (240) ، "صحيح ابن ماجه" للألباني (1/46) رقم (196)

"سنن ابن ماجه" (1/82-83) رقم (227) ، "صحيح ابن ماجه" للألباني (1/44) رقم (186)

"الترغيب والترهيب" للمنذري (1/125) رقم (116) و (1/138) رقم (145-146)

"سنن ابن ماجه" (1/79) رقم (219) ، "ضعيف ابن ماجه" ص (16) رقم (40)

"مستدرك الحاكم" (1/169) رقم (311)

"تخريج أحاديث الأحياء" جمع الحداد (6/2396) رقم (3825)

"مهارات التدريس في الحلقات القرآنية" لعلي الزهراني ص (41-46) .

السلف الصالح وتعليم القرآن :

لقد كان لمُدارسة القرآن الكريم وتعليمه شأن عجيب عند أولئك النفر من السلف الصالح من الصحابة والتابعين ، حيث استثمروا في ذلك أوقاتهم ، وأفنوا شبابهم ، فحصّلوا من العلم والتزكية ما يُدهش العقول ويبهر الألباب ويستنهض الهمم ، وكانوا رحمهم الله يحرصون على تعليم أبنائهم القرآن وهم في سن مبكرة ، لأن التعليم في الصغر أدعى للحفظ والفهم ، وقد بوّب البخاري في "صحيحه" باب تعليم الصبيان القرآن ، وأورد قول ابن عباس مسنداً : توفي رسول الله r وأنا ابن عشر سنين ، وقد قرأت المحكم . والخبر فيه تقديم وتأخير ، والمعنى : توفي النبي r وقد جمعتُ المحكم وأنا ابن عشر سنين . كذا ذكره الحافظ ابن حجر ، وقال أيضا : المصنف بالترجمة ، كأنه أشار إلى الرد على من كره ذلك ، من جهة حصول الملال له ... وحجة من أجاز ذلك : أنه أدعى إلى ثبوته ورسوخه عنده ، كما يقال : التعلم في الصغر كالنقش في الحجر ... وقال : والحق أن ذلك يختلف بالأشخاص ، والله أعلم ، وقال : ولعل المصنف أشار في الترجمة إلى قول ابن عباس : سلوني عن التفسير ، فإني حفظت القرآن وأنا صغير . أخرجه ابن سعيد وغيره بإسناد صحيح عنه ا.هـ وكانوا لا يقدّمون عليه شيئاً ، يقول السبكي : ومن حق معلم الصغار ألاّ يعلمهم شيئاً قبل القرآن . وقال ابن عبد البر : أول العلم حفظ كتاب الله عز وجل وتفهمه ، بل كانوا لا يسمحون لأبنائهم بالرحلة في طلب العلم قبل تعلم القرآن . وقال النووي : كان السلف لا يُعلّمون الحديث والفقه إلاّ لمن يحفظ القرآن . وقال الوليد بن مسلم : كنا إذا جالسنا الأوزاعي ، فرأى فينا حدثاً ، قال : يا غلام ، قرأت القرآن ؟ فإن قال : نعم ، قال : اقرأ ... وإن قال : لا ، قال : اذهب تعلّم القرآن قبل أن تطلب العلم .

ومن واقع السلف في تدريس القرآن : أن أبا الدرداء رضي الله عنه قسّم طلابه عشرة عشرة ، ولكل عشرة منهم ملّقن ، وكان يطوف عليهم قائماً ، فإذا أحكم الرجل منهم تحول إلى أبي الدرداء وقرأ عليه ، وقد قيل : إن الذين في حلقة أبي الدرداء كانوا أزيد من ألف رجل .

وعن مسلم بن مِشْكم قال : قال لي أبو الدرداء : اعُدد من في مجلسنا ، قال : فجاءوا ألفاً وستمائة ونيفاً ، فكانوا يقرؤون ويتسابقون عشرة عشرة ، فإذا صلى الصبح انفتل وقرأ جزءاً ، فيُحدِقون به يسمعون ألفاظه ، وكان ابنُ عامر مُقدماً فيهم .

وهذا ابن الأخرم رحمه الله تعالى ، الذي قال فيه الشَنبُوذي : قرأتُ عليه ، فما رأيت أحسن معرفة منه بالقرآن ولا أحفظ ، وكان يحفظ تفسيراً كثيراً ومعاني ، قال عنه محمد بن علي السُّلمي : قمتُ ليلة سَحَراً لآخذ النوبة على ابن الأخرم ، فوجدتُ قد سبقني ثلاثون قارئاً ، وقال : لم تدركني النوبة إلى العصر ، وقد نذرَ السلف أنفسهم لتعليم كتاب الله ، وأصبح الواحد منهم وقفاً لذلك ، فهذا أبو منصور البغدادي الخياط جلس لتعليم كتاب الله دهراً ، وتلا عليه أمم ، لقن العُميان دهراً ، وكان يسأل لهم ، ويُنفق عليهم ، ونَقَلَ ابن النجار في "تاريخه" : أنه بلغ عدد من أقرأهم من العميان سبعين ألفاً ، وتعقّبه الذهبي بقوله : هذا مستحيل ، والظاهر أنه أراد أن يكتب نفساً ، فسبقه القلم فخطَّ ألفاً ا.هـ

وهذا أبو عبد الرحمن السلمي ، بدأ يجلس للتدريس في حلقات القرآن من عهد عثمان بن عفان رضي الله عنه إلى أيام الحجاج ، وعد بعض العلماء المدة التي مكثها سبعين سنة ، وعدّها الذهبي أربعين سنة .

وقد بلغ ببعض السلف أنه كان يترخّص في إقراء اثنين فأكثر ، كل واحد في سورة ؛ وقد تعقّب الذهبي هذا الفعل ، فقال : هذا خلاف السنة ، لأننا أُمرنا بالإنصات إلى قارئ ، لنفهم ونعقل ونتدبر ا.هـ

وبعد ، أيها الأحباب : فالمتأمل فيما مضى من أحوال السلف ، يتضح له عنايتهم رحمهم الله بتعليم القرآن وتعلّمه ، بل واعتبروا حلقاته ميداناً من ميادين الغزو في سبيل الله ، فعن عبد الحميد الحماني قال : سألت سفيان الثوري عن الرجل يغزو أحب إليك ، أو يقرأ القرآن ؟ فقال : يقرأ القرآن ، لأن النبي r قال : « خيركم من تعلم القرآن وعلّمه » .

بل وكرسوا حياتهم لحفظه ، وصرفوا جل الأوقات في تدبره ، فهذا شقيق بن سلمة - أبو وائل – تعلّم القرآن في شهرين ، وهكذا اعتنى سلف هذه الأمة المباركة بتعلم كتاب الله وتعليمه ونشره بين العالمين .

"فتح الباري" لابن حجر (9/104-106) رقم (5035) ، "المجموع" للنووي (1/38)

"الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع" للبغدادي (1/108)

"نزهة الفضلاء في تهذيب سير أعلام النبلاء" لمحمد حسن عقيل موسى (1/161) رقم (5) و ص (159) رقم (3)

"نزهة الفضلاء في تهذيب سير أعلام النبلاء" لمحمد حسن عقيل موسى (2/1145) رقم (3-4) و (3/1347) رقم (1-3)

"فتح الباري" لابن حجر (9/93 ، 96) رقم (5027)

"نزهة الفضلاء" لمحمد حسن (1/383) رقم (2-3) و (3/1582) رقم (3)

"التبيان في آداب حملة القرآن" للنووي ص (16) ، "نزهة الفضلاء" لمحمد حسن (1/357) رقم (1)

"مهارات التدريس في الحلقات القرآنية" لعلي الزهراني ص (47-51)

حاجة المجتمع إلى معلم القرآن :

إن الحاجة إلى معلم القرآن ضرورة شرعية ، لأن تعليم الناس كتاب الله تعالى وتربيتهم عليه واجب شرعي ، ولا يتم ذلك إلا بواسطة معلم متقنٍ للقرآن ، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب .

وتعلم القرآن لا يتم إلا بالتلقي ، فقد أخذه النبي r - وهو أفصح الخلق - من جبريل عليه السلام مشافهة ، وكان r يعرض القرآن على جبريل عليه السلام كل سنة مرة واحدة في رمضان ، فلما كان العام الذي توفي فيه عرضه عرضتين ، كما ورد ذلك في "صحيح البخاري" وغيره .

وتزداد أهمية معلم القرآن ، لأن الحفاظ على القرآن وحفظه واجب جماعي ، يلزم كل المسلمين ، فهو دستور الأمة ورمز قوتها ومنبع عقيدتها ، وقد عدّ العلماء الاهتمام بالقرآن وبتعليمه في كافة مراحل التعليم سمة من سمات المجتمع المسلم .

وقد أدرك السلف مكانة أهل القرآن في المجتمع وأثرهم وحسن رأيهم ، وأنهم لم يعودوا معلمين فحسب ، بل كانوا لبنة صالحة في مجتمعاتهم ، فعن ابن عباس قال : ... وكان القراء أصحاب مجلس عمر ومشاورته ، كهولاً كانوا أو شباباً ... خرّجه البخاري في "صحيحه" .

ولما كان تلقّي القرآن لا يمكن إلا أن تُسمع شفاهاً وتُتلقّى من معلم متقن سمع من غيره ، كان لزاماً دراسة القرآن وتعليمه كذلك ، يقول ابن خلدون : إن البشر يأخذون أخلاقهم وما ينتحلون به من المذاهب والفضائل ، علماً وتعليما وإلقاء ، تارة محاكاة وتلقيناً بالمباشرة ، إلا أن حصول الملكات عن المباشرة والتلقين أشد استحكاماً وأقوى رسوخاً ....

وقال الشاطبي : المشافهة خاصية ، جعلها الله تعالى بين المعلم والمتعلم .

وجملة القول : أن واجب المجتمع المسلم أن يبذل كل الأسباب والوسائل لإعداد معلمي القرآن ، وتقديم ما يحتاجونه من العون والوسائل التي تعينهم على قيامهم بواجبهم التربوي والتعليمي ، سواء في المدارس النظامية العامة ، أو الحلقات القرآنية وإقامة الدورات التربوية المتخصصة لهم ، لرفع مستواهم التربوي ، وزيادة الحوافز المادية والمعنوية لمعلمي القرآن ، مع إكرامهم وإجلالهم وعدم إلحاق الضرر بهم ، وتيسير سبل العيش الكريم أمامهم .

وفي حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه ، أن النبي r قال : « إن من إجلال الله إكرام ذي الشيبة المسلم وحامل القرآن ، غير الغالي فيه والجافي عنه ، وإكرام ذي السلطان المقسط » خرّجه أبو داود وغيره وهو حسن .

"إعداد المعلم" لعبد الله عبد الحميد ص (331) ، "التبيان" للنووي ص (17)

"فتح الباري" لابن حجر (9/54) رقم (4998) و (8/386) رقم (4642)

"مقدمة ابن خلدون" ص (541) ، "الموافقات" للشاطبي (1/60)

"سنن أبي داود" (5/174) رقم (4843) ، "صحيح أبي داود" (3/918) رقم (4053)

صفات معلم القرآن في الحلقات القرآنية :

يجب على المعلم أن يتحلّى بالأخلاق الحسنة ، لأن التلميذ يتأثر بالمعلم أكثر من والده ، حيث أن الولد يأخذ من مؤدبه الأخلاق والشمائل والآداب والعادات أكثر مما يأخذ من والده ، لأن مجالسته له أكثر ، ودراسته معه أطول ؛ فالتصدر لتعليم القرآن رسالة عظيمة ، فهو عامل أساس في نجاح العملية التربوية ، وكل عملية تربوية يتولى أمرها معلم لا يعرف جوانب رسالته وأخلاقيات مهنته ، فهي عملية فاشلة ، والواجب أن يتولى التدريس ممن كملت أهليته وتحققت شفقته وظهرت مروءته وعُِرِفت عفَّته واشتهرت صيانته وكان أحسن تعليماً وأجود تفهيماً .

لذلك كله ، ينبغي على المعلم في الحلقات القرآنية أن يكون على أحسن حال ، ليتشرّب التلاميذ صفاته الحسنة وأخلاقه الحميدة ، وقد ثبت أن الناس لديهم حاجة نفسية إلى أن يُشبِهوا الأشخاص الذين يُحبّونهم ويُقدِّرونهم .

ويمكن أن نوجز الحديث عن الصفات في أربع محاور :

1- صفات المعلم الفطرية 2- الصفات المعرفية

3- الصفات الخارجية 4- الصفات المهنية

"دراسات تراثية في التربية الإسلامية" لمحمود قمبر (1/417) ، "أدب الدنيا والدين" للماوردي ص (109)

"تذكرة السامع والمتكلم" لابن جماعة ص (85)

"علم النفس الاجتماعي" لأحمد سلامة وعبد السلام عبدالغفار ص (200)

أولا : صفات المعلم الفطرية :

1- أولاً : سلامة الاعتقاد: وهو الأصل الأول للتربية الإسلامية ، وتأتي أهمية هذه الصفة ، كونه قدوة للتلاميذ وناقلاً للمعرفة ومعلم لكتاب الله تعالى ، في ضوء فهم وتصور أهل السنة والجماعة ، على فهم السلف الصالح ، وهذا يؤدي غالباً إلى سلامة السلوك .

وبهذا يستطيع المعلم تحويل الحلقة إلى ميدان لبناء العقيدة الصحيحة ، التي هي أساس الفكرة المستقيمة والرأي السديد والعمل الرشيد ، بخلاف العقيدة الفاسدة ، التي هي أصل الفكر السقيم والعمل السيء ، ويتربى التلاميذ على عقيدة التوحيد ، ويكون للتلميذ منها ما يحول بينه وبين الانحراف الفكري والسلوكي .

2- ثانياً : الإخلاص وصحة المقصد : ويُعدُ من الصفات الأساسية لمعلم القرآن ، وقد أكّد النووي على هذه السمة وضرورتها ، وجعلها من أولويات العمل التربوي ، قال : وأول ما ينبغي للمقرئ والقارئ : أن يقصدا بذلك رضي الله تعالى . قال بعض السلف : إنما يُعطى الناس على قدر نياتهم . وقال محمد بن واسع : إذا أقبل العبد بقلبه على الله ، أقبل الله بقلوب العباد عليه . فواجب المعلم أن يتطهر من الأغراض الدنيوية ، حتى يُوفّق في عمله التربوي .

وقد تحدّث العلماء في مسألة أخذ الأجرة على تعليم القرآن ، وهذا يدلنا إلى ضرورة حسن النية وصحة المقصد ، حتى لا يشقى بذلك أو يحبط عملُه ، ويرث الوزر ويخسر الأجر ، كما في قصة الذين هم أول من تسعّر بهم النار يوم القيامة ، ومنهم قارئ القرآن . إذا فالثمرة التربوية مرتبطة بالإخلاص وحسن المقصد .

وهاهنا تنبيه : قال النووي : قال العلماء : ولا يمتنع من تعليم أحد – يعني المعلم – لكونه غير صحيح النية ، فقد قال سفيان وغيره : طلبهم للعلم نية ، وقالوا : طلبنا العلم لغير الله ، فأبى أن يكون إلا لله . معناه : كانت عاقبته أن صار لله تعالى .

3- ثالثاً : حسن الخُلُقِ : هو سمة إيمانية ، لها ثمرتها التربوية وتأثيرها السلوكي على المتعلمين ، ولذلك من حَسُن خُلُقه كثر مصافوه ، وقل معادوه ، فتسهّلت عليه الأمور الصعاب ، ولانت له القلوب الغضاب ، وهو من أبرز وسائل تقوية الروابط الاجتماعية بين المعلم والمتعلم ، بل ، ومن أسباب استمرار التلميذ في الحلقة القرآنية ؛ فينبغي على المعلم أن يُغلّب الخير في أخلاقه والبرّ في أعماله والصدق في أقواله ، فإنها تنتقل إلى التلاميذ بالعدوى الاجتماعية ، فعيونهم معقودة على معلمهم ، وجوانب حسن الخلق كثيرة ، ومنها التواضع والوفاء بالعهد والأمانة وقوة العزيمة والشجاعة والصبر والشكر والحِلم والرفق والتقوى والحياء والعفو والصفح والجود والكرم والصدق والعدل وحفظ اللسان والرحمة ؛ وقد قال العلماء : إن باب الإحسان إلى الناس والعفو عنهم مُقدّم على باب الإساءة والانتقام ، كما جاء في الحديث : « ادرؤوا الحدود بالشبهات » خرّجه ابن عساكر وهو ضعيف ، فالخطأ في المدح أهون من الخطأ في القدح ا.هـ وقال عمر بن الخطاب : لأن أعطل الحدود بالشبهات أحبُّ إليّ من أن أقيمها في الشبهات . خرّجه ابن أبي شيبة وفيه ضعف . قال السخاوي : خرّجه ابن حزم بسند صحيح .

ويوم يفقد المعلم صفة حسن الخلق : يفشل العمل التربوي . وقد قال الأعمش : كان الناس يتعلّمون من الفقيه كل شيء حتى لباسه ونعليه .

4- رابعاً : الصبر على المتعلِّمين : هو نصف الإيمان ، وبدونه لا يستطيع المعلم أن يحقق أهدافه وآماله وتطلعاته ، وهو في الحلقة القرآنية يحتاج إلى قدر كبير من الصبر في مجال النفس فيجاهدها ويحملها على الطاعة ويمنعها من المعصية ، ومجال التربية ومخاطبة المتعلمين والأساليب الجيدة .

وإذا فُقد الصبر في حياة المعلم ، فإما أن يقعد أو ينسحب من الميدان ، وحينئذ يحق عليه الحساب ويفوته الثواب .

والمعلم في هذه الحلقات ، معرّض لكثير من المشكلات والمشاق ، ولا دفع لذلك إلا بالصبر ، ولهذا فهذه المهمة التربوية التعليمية الجليلة لا يقوم بها إلا المعلمون الأكفاء الصابرون المحتسبون ، وهي مرتبة شريفة ، لأنها تعني الإمامة والريادة في التعليم .

أما المعلم الغضوب ، سريع الانفعال : فقد يُخفق في دوره التعليمي التربوي ، وهنا تبرز قيمة الصبر وأهميتها وضرورتها للمعلم ، وقد قيل : الصبر بالتصبّر .

وتأتي أهمية الصبر لمعلم القرآن ، لما يُحدث من تغيّر في حياة التلميذ ، فالانضباط في الحلقة ، أو التقصير في الحفظ ، أو التساهل في القراءة وأحكام التلاوة ، أو صدور بعض الألفاظ والتصرفات التي لا تليق بأهل القرآن ، تبرز الصبر والقدرة على علاج السلوك والخطأ ، ويزداد ضرورة بسبب ما أفرزه التقدم المعرفي والتقنيّ ، وانتشار وسائل الاتصال ، فأدّىَ ذلك إلى اتساع ثقافة التلاميذ وزيادة حجم التناقض السلوكي ، وبدون هذا الخلق قد يتسرّب التلاميذ من الحلقات ، فلا يعودون إليها ، لأن المعلم إذا لم يحلم ويصبر ، كان ما يُفسد أكثر مما يصلح .

5- الرفق بالمتعلمين : إن حاجة المربِّين إلى الرفق ماسة للغاية ، لما يُحقّقه من ثمرات تربوية ومعرفية ، كالتفاف التلاميذ حول المعلم والانتفاع بوعظه وإرشاده ، والانضباط في الحلقة والمبادرة إلى الحفظ والإتقان، وهو يدفع التلاميذ إلى الاهتمام والإنجاز ، لاسيما إن كانت قدراتهم العقلية ضعيفة ، فربما كان التلميذ بطيء الفهم ، ضعيف الحفظ ، فالمعلم الحليم لن يستعجله أو يوبخه أو يسخر منه أو يقارنه بالآخرين ، بل يأخذ بيده رويداً رويداً ويرفق به ، وهذا ولا شك يُكسب التلميذ الثقة بالنفس ، ويُشعره بالاطمئنان إلى معلّمه ، مما يساعده على تحصيل العلم بسهولة أكثر ومواصلةٍ للدراسة في الحلقة .

وإنّ حصول بعض الزلات والأخطاء أو التقصير ، لا يُبرّر البطش بالتلميذ أو القسوة عليه والشدة ، لأن تلك السلوكيات في العلاج في الغالب لا تحقق الأهداف التربوية المرجوة .

قال ابن جماعة : وينبغي أن يعتني بمصالح الطالب ، ويعامله بما يعامل به أعز أولاده من الحنو والشفقة عليه والإحسان إليه والصبر على جفاء ، ربما وقع منه نقص لا يكاد يخلوا الإنسان عنه ، وسوء أدب في بعض الأحيان ... ويوقفه مع ذلك على ما صدر منه بنصح وتلطف ، لا بتعنيف وتعسّف ، قاصداً بذلك حسن تربيته وتحسين خُلقه وإصلاح شأنه ، فإنْ عرف ذلك لذكائه بالإشارة ، فلا حاجة إلى صريح العبارة ، وإن لم يفهم ذلك إلا بصريحها أتى بها وراعى التدريج في التلطف ، ويُؤدبه بالآداب السنية ويُحرضه على الأخلاق المرضية ، ويوصيه بالأمور العرفية على الأوضاع الشرعية ا.هـ

6- الرحمة بالمتعلمين : هي شعار عظيم وخلق كريم ، وهي سمة بارزة في العلاقات الاجتماعية في المجال التربوي ، لأنها تُعبّر عن المحبة بين المعلم والتلاميذ ، وهي وسيلة فعّالة في جذبهم إلى الخير والتفاعل معه ، فالتلاميذ غالباً يُحبون من يرحمهم ويعطف عليهم ويتأثرون به ، ويشعرون بالأمن والأمان ، الذي يحببهم إليه وإلى درسه وإلى حسن الإنصات إلى كل ما يصدر من المعلم .

إن استبدال الرحمة بالشدة والقسوة ، دليل على ضعف شخصية المعلم ، وجهله بأخلاق مهنة التربية والتعليم ، ولذلك أثر سلبي على سلوك المتعلم ، قد يصل في بعض الأحيان إلى كراهية المعلم أو من ينتسب إلى مجتمع الحلقات القرآنية ، فضلاً عن التسرب من الحلقة ، وإشاعة صورة سلبية عنها للآخرين .

7- التواضع مع المتعلمين : فهو محبَّب للتلاميذ ، ويحصل له القبول لدى التلاميذ ، ويتمكن من معرفة مشكلاتهم التربوية والأسرية والمدرسية ، التي تعوق مسيرهم في التحصيل ، وتزداد أهميته حينما يمنح الله المعلم الإتقان لكتاب الله حفظاً وتلاوة وتجويداً وصوتاً حسناً ، فضلاً عن الإلمام والمعرفة بالقراءات وطرقها وكيفية أدائها ، ومن تواضعه أن يتقرب منهم ويؤنسهم بسؤاله عن أحوالهم وسبب غيابهم ، ويظهر لهم الابتسامة وطلاقة الوجه ، ويشجع المبتدئ ، ويثني على الناشئ .

والتواضع معدود من مقومات المعلم الناجح والمربي الفعال ، فهو سلم الشرف .

8- العدل بين المتعلمين : هو تحقيق للأهداف التربوية والنفسية ، وزيادة للدافعية عند التلاميذ في الحلقة ، فالواجب العدل بين التلاميذ ، ولا يُفضَّل أحدهم على آخر دون مبرّر شرعي ، حتى لا يُوغل صدورهم على بعضهم ، أو يضعف العلاقات بين التلاميذ ، قال مجاهد : المعلم إذا لم يعدل بين الصبيان ، ُكتب من الظلمة .

وبالعدل ، يكتسب المعلم الخيرية ، لأن الخيار من الناس عدو لهم ، ويُعتبر العدل من أسباب نجاح الحلقة ، لأن قدراً كبيراً من الصحة النفسية للطالب ، يتوقف على نوع المعاملة التي يتلقاها من معلمه ، وكلما خلت معاملة المعلم من تفضيل تلميذ على آخر بغير حق ، كانت فرصة هذا التلميذ للنمو مواتية ، أما فقدان المعلم لصفة العدل ، فإنه يعوق عملية التعليم ، لما يسببه في قلوب التلاميذ من نفور ووحشة وكراهية للمعلم والتعليم .

وقد أوصى علمائنا الأوائل بذلك ، فقال النووي : وينبغي أن يقدم في تعليمهم إذا ازدحموا الأسبق فالأسبق ، ولا يقدمه في أكثر من درس إلا برضا الباقين ا.هـ

وعقد ابن سُحنون باباً لذلك ، أسماه : ما جاء في العدل بين الصبيان . وقال : ليجعلهم بالسواء في التعليم الشريف والوضيع ، وإلا كان خائناً ا.هـ

ومن المظاهر التي ينبغي أن يظهر عدل معلم القرآن ، منها :

- العدل في الاستماع إلى التلاوة – العدل في توزيع الأسئلة عليهم – العدل في نوع التعامل معهم عند تصحيح الأخطاء – العدل في تقديم الحوافز المادية والمعنوية – العدل في السؤال عنهم ومتابعتهم – العدل في نوبة القراءة ، فلا يقدم أحداً في نوبة غيره ، أو يؤخره عن نوبته – الالتفات إلى التلاميذ أثناء الشرح ، فلا يخص بعضهم دون بعض – العدل في التقويم التربوي ، وسواءً اليومي أو الأسبوعي أو الشهري أو السنوي – العدل في العقوبة إذا كانت الأخطاء التي وقع فيها التلاميذ متشابهة – العدل في نوع المعاملة مع التلاميذ فيما يتعلق بكمية المحفوظ والمراجعة ، وذلك إذا كانوا متقاربين في القدرات العقلية .

"الإيمان بالله" لمحمد الحمصي ص (88) ، "تطور مفهوم النظرية الإسلامية" لماجد الكيلاني ص (41)

"لمحات في وسائل التربية الإسلامية" لمحمد المصري ص (141) ، "التبيان" للنووي ص (23 ، 34)

"سير أعلام النبلاء" للذهبي (6/121) ، "أدب الدنيا والدين" للماوردي ص (231)

"الحكمة في الدعوة إلى الله" لسعيد القحطاني ص (129)

"طريق الوصول إلى العلم المأمول" للسعدي ص (231)

"الآداب الشرعية" لابن مفلح (2/149) ، "أصول الدعوة" لعبد الكريم زيدان ص (350)

"فتاوى ابن تيمية" (28/136) ، "الفكر التربوي عند الخطيب البغدادي" لسالك معلوم ص (277)

"تذكرة السامع والمتكلم" لابن جماعة ص (49-50) ، "الآداب الشرعية" لابن مفلح (1/181)

"تفسير الطبري" (3/142) ، "فن التعلم عند بدر الدين ابن جماعة" لحسن عبد العال ص (129)

"المجموع" للنووي (1/33) ، "آداب المتعلمين" لابن سُحنون ص (353)

"تذكرة السامع والمتكلم" لابن جماعة ص (59-60)

"مهارات التدريس في الحلقات القرآنية" لعلي الزهراني ص (67-86)

ثانياً : الصفات المعرفية :

وهي تشكل بصفة عامة المعرفة الشمولية ، وليس من شروط العمل في الميدان التربوي في الحلقات القرآنية العلم لكل العلوم ، حتى لا يتعطل العمل في هذه الميادين التربوية ، ولكن المقصود أن من علم مسألة وجهل أخرى وجب التبليغ فيما علم دون ما جهل .

وفي الجملة ، ينبغي على المعلم أن يبذل جهده في التعلم والمعرفة واكتساب الثقافة الواسعة ، إذ هو مطالب بقدر من العلم والثقافة المتنوعة التي تعينه على أداء مهمته .

ويمكن تقسيم الصفات المعرفية إلى : 1- المعرفة الشرعية

2- المعرفة التخصصية 3- المعرفة التربوية 4- الثقافة العامة

1- المعرفة الشرعية : ونعني بذلك العلم الشرعي ، وهو ضروري لكل أحد ، وفي حق معلم القرآن آكد ، فالعلم الشرعي من أعظم وسائل تزكية النفس ، ولهذا أمر الله به وأوجبه قبل القول والعمل ، فلا تعليم ولا عبادة ولا دعوة ولا تربية إلا بالعلم ، وإن فقدان العلم قد يكون سبباً في تعثر التدريس داخل الحلقات .

ومما لا شك فيه ، أن العلم الشرعي من المقومات الأساسية لشخصية المعلم في الحلقة ، وينبغي أن يكون عند المعلم حد أدنى من العلم في العلوم الشرعية ، كالعقيدة والحديث والفقه والتفسير والسيرة والتاريخ واللغة والتربية .

2- المعرفة التخصصية : فليس لأحد ممارسة التعليم – ولا سيما تعليم القرآن الكريم – ما لم يكن مؤهلاً لذلك ، وقد أدرك السلف ذلك ، فحثّوا على احترام التخصص ، وأن يقتصر المعلم على تعليم ما يتقنه ، والقدماء يقولون : العالم من عرف كل شيء عن شيء ، وعرف شيئاً عن كل شيء ، وعليه فمعلم القرآن ينبغي أن يعرف أحكام التلاوة والتجويد ، وأسباب النزول ومعاني الآيات وشيئاً من القراءات وأنواعها ، فهي تساعد على فهم القرآن .

وقد أثبتت الدراسات الميدانية أهمية المعرفة التخصّصية للمعلم ، فنسبة 95% من الطلاب يعتبرون قوة المادة العلمية عند المعلم من أهم الصفات الإيجابية في شخصيته .

3- المعرفة التربوية : فهي تعين المعلم على الإلمام بطبائع واستعدادات التلاميذ وخصائصهم وميولهم وقدراتهم ، وبها ينجح المعلم في تربية التلاميذ وتعليمهم والتأثير في سلوكهم .

والدراسات التربوية تقدم للمعلم وصفاً لأحوال المتعلمين وحاجاتهم التربوية والنفسية والاجتماعية والعضوية ، ولا بد للمربي من الاطلاع على بعض تلك الدراسات ، حتى يستطيع توجيه التلاميذ وحل مشكلاتهم المختلفة ، وفي هذا توفير لجهد المعلم ، فلا يتعب ويسأم مبكراً ، فالطالب الذكي لا يُعطىَ أقل مما يستحقه من العلم والتربية فهو يضجره ويمله ، والطالب الضعيف لا يُعطى أكثر مما يستحقه فهو يعجزه ويُسريه .

وهناك كتب ترشد المعلمين في تعليمهم وتربيتهم كـ "تعليم المتعلم في طريق التعلم" للزرنوجي ، و "آداب المعلمين" لابن سُحنون ، و "الرسالة المفصلة لأحوال المعلمين وأحكام المتعلمين" لأبي الحسن القابسي ، و "تذكرة السامع والمتكلم في آداب العالم والمتعلم" لابن جماعة .

4- الثقافة العامة : ولا بد منها ، فهي النافذة التي يُطلّ منها على الواقع ، ولا يكتفي المعلم بما تعلّمه أيام دراسته ، فالمربي الفعّال والمؤثر في تلاميذه ، ليس هو المتفوق في ميدان تخصّصه ، بل هو من عُرِف بسعة علمه واطلاعه وثقافته ومتابعته المستمرة لحياة الناس وواقعهم .

" إعداد المعلم" لعبد الله عبد الحميد ص (341)

"مهارات التدريس في الحلقات القرآنية" لعلي الزهراني ص (86-98)

ثالثاً : الصفات الخارجية :

1- البشاشة والابتسامة الصادقة : فهذه لها أثر في استهداء النفوس واجتذاب القلوب والعقول ، والتجاوب المعنوي والحسي بين المعلم والمتعلم ، وجاء في السنة ما يشير إلى أن البشاشة وطلاقة الوجه من القواعد التربوية أثناء التعليم ، والبشاشة سبب لإقبال التلاميذ ، وهي صفة يُعجب التلاميذ بمشاهدتها في المعلمين

وهكذا مكارم الأخلاق الأخرى ، من طلاقة الوجه وإفشاء السلام وكظم الغيظ وكف الأذى والإيثار والإنصاف وبذل الجاه والإعانة على قضاء الحاجة ، وبهذا يحصل الائتلاف التربوي داخل الحلقة بمثل هذه السلوكيات .

2- حسن الشكل والمظهر :

وقد جاء في السنة ما يحث على ذلك ، وهذا معدود من مقومات شخصية المعلم ، وقد عدّ السلف حسن المظهر من آداب التعليم ، وأوصوا المعلم أن يكون على أكمل هيئة وأفضل زينة ، ويكثر من الطيب في غير سرف ، ويحافظ على سنة السواك ، وقد أكد الشارع على النظافة والتجمل والتزين في مواطن الاجتماع كالجمعة والعيدين ومكان التعليم ، وكما أن المعلم يؤثر على تلاميذه بصحة معلوماته ومفيد دروسه وكمال حديثه ، يؤثر عليهم بحسن مظهره ، قال ابن جماعة : إذا عزم على مجلس التدريس ، تطهر من الحدث والخبث ، وتنظّف وتطيّب ، ولبس من أحسن ثيابه اللائقة به بين أهل زمانه ، قاصداً بذلك تعظيم العلم وتبجيل الشريعة . فابن جماعة يربط بين عناية المعلم بمظهره ، وبين تعظيم العلم وأهله ، لأن ذلك من تعظيم الشريعة .

وفي بعض الدراسات الاستطلاعية ، وجد أن 92% من الطلاب يرغبون أن يرتدي المعلم اللباس المرتّب النظيف ، وهذا كله يُفهم منه الاهتمام بهذا الجانب ، وليس المقصود المبالغة والإفراط .

وقد كان مالك بن أنس إذا أراد أن يخرج ، توضأ وضوءه للصلاة ، ولبس أحسن ثيابه ، ولبس قلنسوته ، ومشط لحيته ، وجلس على منصّه "كرسي" في المسجد ، ويتبخر بالعود ، فقيل له في ذلك ، فقال : أحب أن أعظّم حديث رسول الله r . فقيام المعلم في الحلقات القرآنية بهذا الأمر فيه توقير وتعظيم لكلام الله عز وجل ، وهو أولى ، فالعناية بحسن المظهر في العملية التربوية داخل الحلقة يسهّل وصول الرسالة التربوية إلى التلاميذ ، وهذا ما يطلق عليه علماء النفس : أسلوب الاتصال غير اللفظي .

3- سلامة النطق وحسن البيان : لما كان تعليم القرآن يقوم على التلقين والمشافهة ، اشترط المربون المسلمون في المعلم سلامة اللغة وحسن البيان ، حتى معلم الصبية الصغار ، لم يعفوه من الأحكام الأساسية لتجويد القرآن الكريم وقراءته ورسمه ، فالمعلم الذي لا يعرف الإظهار والإدغام والإهمال والإعجام والتفخيم والترقيق وغير ذلك من أحكام تلاوة القرآن ، لا يجوز له التصدر للتعليم القرآني ، وقد استُفتي محمد بن يوسف السنوسي في مثل هذا المعلم الذي لا يمتلك هذه المهارات ، فأجاب : إنه لا يجوز إقراؤه إن لم يحكم مخارج الحروف ، وعلى المعلم أن يحذر التشدق والتنطع في الكلام الذي يدل على الكلفة والتصنع ، وكلما كان المعلم فصيحاً في نطقه ، جميلاً في تعبيره ، قادراً على التنويع في نبرات الصوت ومخارجه ، كلما تحقق المطلوب .

قال ابن جماعة : ألاّ يرفع صوته زائداً على قدر الحاجة ، ولا يخفضه خفضاً لا يحصل معه كمال الفائدة ... ولا يسود الكلام ، بل يرتله ويرتبه ويتمهّل فيه ، ليفكر فيه هو وسامعه ا.هـ

4- سلامة الجسم من الأمراض : فاعتلال صحة المعلم أو إصابته ببعض الأمراض المزمنة ، تجعل المعلم في انقطاع عن طلابه ، وقد يحضر ، ولكن يكثر غيابه ، أو يأتي متأخراً ، أو يخرج مبكراً ، وهذا لا شك يفوّت على الطلاب فرصاً تربوية وتعليمية كثيرة ، وقد يكون سبباً في تشتت أذهان التلاميذ ، نظراً لتعدد المعلمين واختلاف أساليب تربيتهم وطريقة تعليمهم ، وعدم استمرار المتابعة والتقويم .

"المدرسة والتربية" علي الشوبكي ص (68) ، "تذكرة السامع والمتكلم" لابن جماعة ص (30-31)

"إعداد المعلم" عبد الله عبد الحميد ص (262) ، "الجامع لأخلاق الراوي" للبغدادي (1/388)

"مقالات في الدعوة والإعلام الإسلامي" كتاب الأمة ، عدد (41) ص (81)

"من أسس التربية الإسلامية" لعمر الشيباني ص (179) ، "تذكرة السامع والمتكلم" لابن جماعة ص (39)

"مهارات التدريس في الحلقات القرآنية" لعلي الزهراني ص (98-106)

رابعاً : الصفات المهنية :

يمكن اكتسابها من خلال الإعداد التربوي ، سواء قبل العمل في ميدان التربية داخل الحلقات القرآنية ، أو أثناء العمل في العمل التربوي في الحلقات ، وهو ما يسمى بالتدريب أثناء الخدمة ، أو للحصول على دورات تربوية متخصّصة في ميدان التعلم القرآني ، ومن الأمثلة على الصفات المهنية ما يلي :

1- الخبرة التربوية : لأن غزارة المعرفة وقوة حافظة المعلم وتمكنه من مادته ، لم تعد كافية في إحداث الأثر السلوكي الإيجابي المطلوب ، ولذلك ينبغي للمعلم معرفة الأساليب والطرق التربوية التي تُسهم في نجاح التعليم ، سواء اكتسبها من العمل الميداني أثناء ممارسة التدريس في الحلقة ، أو معرفية حصل عليها بالقراءة ومعايشة أهل الخبرة ، وذلك حتى يكون أكثر فاعلية وعطاء ، فقد مضى زمن العناية بجانب الحفظ وتجاهل الجوانب الأخرى ، بل أصبح من الضروري الاهتمام بالمتعلم من جميع جوانبه ، واختيار المعلم المتكامل ، نظراً لما تحتاجه العملية التعليمية التربوية في الحلقات القرآنية من جهد عقلي وتربوي ونفسي ، يتطلب الخبرة التربوية .

2- قوة الشخصية : وهي قدرة المعلم على حسن التعامل مع التلاميذ ، وتميّزه بالحزم والسيطرة والمقدرة على إدارة الحلقات القرآنية ، مع البشاشة واللباقة والكياسة وقوة الصوت وحسن الأداء والهدوء وضبط النفس والرغبة في العمل ، وهكذا التوازن في التعامل السلوكي أثناء المواقف التربوية ، والعمل على إقامة العلاقات الحسنة بين التلاميذ ، وإبراز القيم الإسلامية أمامهم ، والحرص على الإنجاز والإتقان ، وتطابق ظاهر المعلم مع باطنه .

وفي دراسة تربوية أجريت على آراء (3725) طالباً في المرحلة الثانوية ، هدفها التعرّف على المعلمين المحبوبين وغير المحبوبين عند التلاميذ ، فكانت النتيجة : أن ذكر الطلاب ثلاثة وأربعين سبباً تبرّر حب المعلم واحترامه ، ومجملها في الحقيقة هو قوة الشخصية .

ويخطئ من يظن أن قوة الشخصية في رفع الصوت وإطلاق العبارات النابية أو احتقار التلاميذ ، أو الضرب على الطاولة أو السبورة أو الجدار بقوة ، فإن هذه السلوكيات لا تصدر إلا عن ضعيف الشخصية .

ومثل هذا المعلم لا يصلح للعمل في مجال التربية والتعليم ، فضلاً عن الحلقات القرآنية .

3- القوة العقلية : وتُعرف في الدراسات النفسية بالذكاء ، وهي ضرورية للمعلم في الحلقة حتى يستطيع أن يتعامل مع ما يواجهه من أحداث ، وما يعترضه من مواقف ومشكلات وتحديات ، بصورة صحيحة ، فالمعلم الناضج يرى المواقف من جميع الجوانب ، ويدرك أفضل الطرق لحلها ، وأقربها إلى عقول التلاميذ وقلوبهم ويقدّر تفاوت قدراتهم ، وربما اختلاف بيئاتهم وثقافتهم .

وتزداد أهمية القوة العقلية ، لأن التأثير في سلوك التلاميذ وإقناعهم لم يعد سهلاً ، كما كان قبل ، ولم يعد التلاميذُ غُفَّلاً ، يُصدّقون كل ما يقال لهم .

ونظراً لمتطلبات التعليم القرآني الذي يقوم على الحفظ والفهم والاستنباط وتنويع الأساليب في الطرح .

وهكذا اختلاف التلاميذ في الحلقات ، فهم مختلفون في بيئاتهم الاجتماعية والأسرية وصفاتهم العقلية والنفسية ونوع التربية الأسرية ، وتنوع مشكلاتهم ومستوياتهم الأخلاقية ، كل هذا لا يُدركه المعلم الضعيف في قدراته العقلية ، وقد أدرك السلف هذه الصفة ، وأشار إليها الماوردي في أدب الدنيا والدين بقوله : وإذا كان العالم ... بقدر استحقاقهم خيبراً ، لم يضع له عناء ، ولم يخب على يديه صاحب ، وإن لم يتوسمهم ، وخفيت عليه أحوالهم ، ومبلغ استحقاقهم كانوا وإياه في عناء مُكد – يعني لا فائدة – وتعب غير مُجدّ – يعني غير مغني – لأنه لا يُعدمُ أن يكون فيهم ذكي محتاج إلى الزيادة ، وبليد يحتاج إلى التقليل ، فيضجر الذكي منه ، ويعجز البليد عنه ، ومن يرُدّد أصحابه بين عجز وضجر ملوّه وملّهم ا.هـ

فالطالب الذكي الذي يتحايل على المعلم والإدارة ، ويتهرّب من الواجب بطرق ملتوبة ، ومصطنعة ، يحتاج إلى معلم ذكي أيضاً ، قادر على اكتشاف هذا التلاعب ، وإلا اعتبره الطالب غبياً ، أو ممن يسهل خداعه .

"موضوعات في التدريس وطرقه العامة" عبد الرحمن النحلاوي ص (7-8)

"التعلم نفسياً وتربوياً" محمد خير عرقوسي ص (76)

"مقدمات للنهوض بالعمل الدعوي" عبد الكريم بكار ص (152)

"أدب الدنيا والدين" الماوردي ص (129-130)

"مهارات التدريس في الحلقات القرآنية" لعلي الزهراني ص (106-114)

الحوافز التربوية في الحلقات القرآنية :

تعتبر الحوافز التربوية دافعاً قوياً في نجاح معلم القرآن الكريم ، فهو إشباع لدافع المتعلم ، واستثارة لهمته ونشاطه ، فعن عبد الله بن الحرث قال : كان رسول الله r يصف عبد الله وعبيد الله وكثيراً ، بني العباس ، ثم يقول : "من سبق إليّ فله كذا وكذا ، قال : فيستبقون إليه ، فيقعون على ظهره وصدره ، فيقبلهم ويلزمهُم" . خرّجه أحمد وغيره ، وحسّنه الهيثمي . وكان سعيد بن المسيّب إذا رأى الشباب قال : مرحباً بوصية رسول الله r ، أمَرَنا أن نُحفّظكم الحديث ونُوسِّع لكم في المجلس .

وهكذا الدراسات التربوية المعاصرة تنادي بإشباع حاجة المتعلم إلى التحفيز ، وكان السلف يراعون مثل هذه الحوافز ، لاسيما الحفز المادي ، وتبرز أهمية التحفيز التربوي أيّاً كان لطلاب الحلقة ، لأنه يدفع التلاميذ إلى مزيد من العطاء والإنجاز والتفاعل مع المعلم وعدم الانصراف من الدرس ، وكلما أحسن المعلم صنعاً ، كلما ضاعف التلميذ جهده ، وتلافى أسباب التقصير واجتنب الإهمال .

وقد أكدت الدراسات التجريبية في ميدان علم النفس : أن الثواب أقوى وأبقى أثراً من العقاب في عملية التعليم ، ومن مظاهر الحفز التربوي :

1- الحوافز المادية 2- الحفز التربوي والنفسي 3- الحفز الميداني

4- الحفز الأخروي 5- الحفز التربوي السلبي

"مسند أحمد" (2/420) رقم (1836) ، "جامع بيان العلم وفضله" لابن عبد البر (1/145-146)

"مهارات التدريس في الحلقات القرآنية" لعلي الزهراني ص (253-256)

أولاً : الحوافز المادية :

جاء أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كتب إلى أمراء الأجناد : أن ارفعوا إليّ كل من حمل القرآن ، حتى ألحقهم في الشرف من العطاء ، وأرسلهم إلى الآفاق يُعلِّمون الناس ، فكتب إليه الأشعري رضي الله عنه : أنه قد بلغ من قِبَليِ ممن حَمَل القرآن ثلاثمائة وبضع رجال . وكتب هارون الرشيد إلى الولاة وإلى أمراء الأجناد يقول : أما بعد ، فانظروا من التزم الأذان عندكم ، فاكتبوه في ألف من العطاء ، ومن جمع القرآن وأقبل على طلب العلم وعَمَر مجالس العلماء ومقاعد الأدب ، فاكتبوه في ألفي دينار من العطاء ، ومن جمع القرآن وروى الحديث وتفقه في العلم واستبحر ، فاكتبوه في أربعة آلاف دينار ، وليكن ذلك بامتحان الرجال السابقين لهذا الأمر من المعروفين به من علماء عصركم وفضلاء دهركم ، فاسمعوا قولهم وأطيعوا أمرهم .... قال ابن المبارك : فما رأيتُ عالماً ولا قارئاً للقرآن ولا سابقاً للخيرات ولا حافظاً للحرمات في أيام بعد أيام رسول الله r وأيام الخلفاء والصحابة أكثر منهم في زمن الرشيد وأيامه ، لقد كان الغلام يجمع القرآن وهو ابن ثمان سنين .

فينبغي تعزيز الحلقات بمثل هذه الحوافز وتتمثل في المكافآت الشهرية الثابتة أو المقطوعة ، وهكذا المكافآت التشجيعية عند حفظ التلميذ مقداراً معيناً من القرآن ، وهكذا الهدايا والجوائز التشجيعية ، كالعينية كالكتب والأشرطة والأدوات المدرسية أو الأواني المنزلية ، أو الخاصة كإسقاط العقوبات أو الغرامات أو خفيض قيمة تذاكر السفر أو العلاج في المستشفيات الخاصة أو الاشتراك في المجلات النافعة أو رحلات الحج والعمرة .

ثانياً : الحوافز التربوية والنفسية :

وينبغي ذلك مع مراعاة الضوابط الشرعية ، فلا يكون الإطراء لأعمال سهلة ، ولا الدعم المادي لإنجازات بسيطة ، أوالمدح لأمر لا وجود له ، بل يسدّد المعلم ويقارب ، ومن ذلك :

1- التعزيز اللفظي المعنوي ، كالثناء والمدح والدعاء ( أحسنت ، بارك الله فيك ، جزاك الله خيراً ، فتح الله عليك ) .

2- التعزيز السلوكي ، كالابتسامة وإظهار علامات الرضا والفرح .

3- التعزيز الكتابي ، كالكتابة في دفتر المتابعة عبارات الثناء والتشجيع ، أو منح التلميذ شهادات التقدير ، أو كتابة اسمه في لوحة الشرف ، أو بعث خطاب شكر وتقدير إلى ولي أمر التلميذ واعتمادها من الجهة الرسمية وختمها .

4- ذكر مستوى التلميذ وإنجازاته في التقارير السنوية والاحتفالات إن وجدت .

5- إشعار المدرسة النظامية الملتحق بها التلميذ نتيجة سلوكه ، حتى يحظى بالاهتمام .

ثالثاً : الحوافز الميدانية :

كالحرص على مصالحهم والاهتمام بأحوالهم ، فما يمر بأحدهم حالة طارئة أو يتعرّض لمشكلة أو يصاب بمرض أو يتعرّض لأزمة نفسية إلاّ ويهتم بحاله ، ولو بالسؤال عنه ومواساته وجدانياً ، والتنفيس عنه بالكلام الصادق .

والمتأمل لحال السلف ، يجد اهتمامهم بهذا الجانب كثيراً ، يقول ابن جماعة : وإذا غاب بعض الطلاب أو ملازمي الحلقة زائداً عن العادة ، سأل عنه وعن أحواله وعمّن يتعلق به ، فإن لم يخبر عنه بشيء أرسل إليه أو قصد منزله بنفسه – وهو أفضل - ، فإن كان مريضاً عاده ، وإن كان في غمٍّ خفض عليه – يعني خفّف - ، وإن كان مسافراً تفقّد أهله ومن يتعلّق به وسأل عنهم وتعرض لحوائجهم ووصلهم بما أمكن ، وإن كان فيما يحتاج إليه فيه أعانه ، وإن لم يكن شيء من ذلك تودّد عليه ودعا له ا.هـ

فالواجب العمل بها ، فهي تكاد تصبح عملة نادرة في الحلقات القرآنية في هذا العصر .

رابعاً : الحوافز التربوية السلبية :

وهذا لا يعني التناقض ، أعني استخدام الإيجابية ، لأن كلاً منهما يحقّق الهدف التربوي المرغوب تحقيقه ، ويلجأ المعلم إلى الحافز السلبي إذا لم ينفع الحافز الإيجابي ، ومن مظاهره :

1- الحرمان من المكافآت أو جزء منها 2- الحرمان من التشجيع والمدح والثناء 3- عقاب التلميذ على التقصير ، إما بمفرده أو أمام التلاميذ ، حسب الظروف والمصلحة الراجحة ، لاسيما إن كان الخطأ عاماً أو من الأخطاء التي لا يجوز تأخير بيانها من الناحية الشرعية 4- استخدام أسلوب التجاهل في بعض المواقف 5- استدعاء ولي أمر التلميذ إلى الحلقة ومناقشة جوانب التقصير عند ولده ، مع ضرورة التفاهم مع وليه على أسلوب العلاج ، لأن بعض الآباء يغضب مباشرة ، فيقوم بعقابه وضربه ، وهذا له آثار سلبية 6- حسم بعض الدرجات واطلاع ولي أمر التلميذ على ذلك 7- معاقبة التلميذ بالوقوف أمام زملائه في الحلقة 8- حرمانه من حضوره الدرس أو الرحلة أو المخيم أو المركز 9- حرمانه من الجوائز والهدايا التشجيعية والمشاركات الميدانية ، كالمسابقات والتلاوات في برامج الإذاعة ، أو الاحتفالات 10- العقاب البدني في ضوء الضوابط الشرعية بعد موافقة ولي أمر التلميذ .

خامساً : الحوافز الأخروية :

وهذا الحافز الأخروي الغيبي يُعتبر من الحوافز التي يتميّز بها منهج التربية الإسلامية ، ويتمثل ذلك في بيان الأجر والثواب ، وما أعدّه الله تعالى لمن حفظ وعمل به ، وتخلّق بأخلاقه وعلّمه وقعد له.

"حياة الصحابة" للكاندهلوي (3/239) ، "الإمامة والسياسة" لابن قتيبة (2/157)

"تذكرة السامع والمتكلم" لابن جماعة ص (61-63) ، "علم النفس الدعوي" عبد العزيز النغيمشي ص (163)

"مهارات التدريس في الحلقات القرآنية" لعلي الزهراني ص (254-260)

التشويق التربوي في الحلقات القرآنية :

الحفز التربوي والتشويق التربوي متلازمان ، وقد يكون التشويق داخلاً في الحفز ، وأفردته بالحديث لأهميته وضرورته ، وعظيم أثره على سلوك المتعلمين .

فالتشويق يضفي على الحلقة الحبور والنشاط الفعّال والتجاوب الوجداني ، بل يزداد حب التلاميذ للحلقة ، ولا بد أن تكون متوازنة وبعيدة عن المبالغة أو المثالية المفرطة ، وقد عدّها التربويون من القواعد الأساسية في التدريس ، ومن الأساليب الضرورية في إحداث التفاعل التربوي داخل الحلقة ، والتي تكسب انتباه التلاميذ ومحبتهم وتفاعلهم ، وزيادة نشاطهم وإقبالهم على الدرس القرآني .

ومما يعين المعلم على إثارة عامل التشويق في نفوس الطلاب : الإكثار من وسائل الإيضاح التي تستلفت النظر ، ومنها : تقسيم الحلقة إلى مجموعات للحصول على أكبر مقدار من الدرجات ، وتعلن النتيجة كل أسبوع أو شهر ، ومنها : حكاية الطرفة المستملحة ، ومنها : قيام بعض الطلاب المبرزين من التلاميذ لمساعدة المعلم في التسميع .

ومن وسائل التشويق المهمة : المزاح والمداعبة اللفظية بين الفينة والأخرى ، وإيراد القصص والحكايات والمواقف المشرِّفة وربطها بالواقع عند الحاجة إليها ، وفي هذا تنشيط للتلاميذ وتسلية للنفوس – وينبغي أن يكون بقدر الحاجة ، وفي إطار الآداب العامة ، ويتناسب مع كتاب الله تعالى وموقع الحلقة .

وقد أدرك السلف هذا النوع ، فابن مسعود رضي الله عنه أوجب على العالم أن يُحدِّث المتعلمين ما داموا يحدقونه بأبصارهم ، فإذا غضوا ، عليه أن يمسك ، والزهري رحمه الله كان يُحدّث ساعة ، ثم يأمر الطلاب بتطارح الشعر والأحاديث الأخرى مُعلَّقاً أن الأذن مجاجة وإن النفس حمضة ، وإنها بحاجة لما يخفف عنها .

وقد قال المازري : الحكايات جند من جنود الله .

وهكذا يتدرج المعلم في الحلقات القرآنية بالتلاميذ بين الحفز التربوي والتشويق التربوي .

"المدرسة والتربية" علي الشوبكي ص (73) ، "الأنصاص القرآنية" عبد العزيز العروسي (1/44) .

"تطور مفهوم النظرية التربوية الإسلامية" ماجد الكيلاني ص (74-75)

"مهارات التدريس في الحلقات القرآنية" علي الزهراني ص (260-262)

المعوقات التربوية في الحلقات القرآنية :

1- ضعف التحصيل الدراسي عند التلاميذ ، ومن أسبابه كثرة الصوارف والشواغل والملهيات ، ولكن يمكن علاجه بالتوجيه والمتابعة الأسرية .

2- كثرة التلاميذ في الحلقة القرآنية ، إذ هو يعوق أداء الرسالة التربوية على الطريقة الصحيحة ، وتُقلّل من عطاء المعلم ، وإذا قل العدد استطاع المعلم سماع قراءاتهم جميعاً ومتابعتهم وتقويم قراءاتهم وتصحيح أخطائهم ، والعبرة بالكيف وليس الكم ، قال ابن عبدون : ويجب للمؤدب ألاّ يكثر من الصبيان ، ويمنعون من ذلك .... فإنه لن يستطيع أن يعلمهم شيئاً على ما ينبغي ا.هـ

3- ضعف الصلة بين الأسرة والحلقة القرآنية ، وهذا يشتكي منه الكثير من العاملين في الحلقات القرآنية ، وسبب ذلك : إما تشاغل الأسرة بأعمالها وجهلاً بأهمية هذه الصلة ، ومن نتائج ذلك : تهاون التلميذ في حفظه ، وربما انقطاعه عن الحلقة أوعدم تمسكه بالآداب الحسنة ، ويمكن علاج هذا : بأن يشترط في قبول التلميذ أن يُحدّد يوماً معيناً لزيارة ولي أمر التلميذ للحلقة أو إدارتها ، والاطلاع على سلوكه وعلمه .

4- جهل المعلم بالأساليب التربوية ، فالتعليم في الحلقات لا يتم بطريقة واحدة ، أو بالطريقة التي تعلّم بها المعلم ، والواجب التعرف على الأساليب والوسائل التربوية ، فهي تساعد على نجاح التربية والتعليم ، وتقضي على ظاهرة الملل والسآمة في نفوس التلاميذ ، ويصبح الوقت الذي يقضيه التلاميذ في الحلقة خفيفاً على نفوسهم بعد أن كان ثقيلاً .

5- قسوة المعلم على التلاميذ ، وهي كما بينا تدل على ضعف شخصية المعلم ، وضيق أفقه ، وجهله بأساليب التربية ، وغالباً هذه القسوة سببها حدّة في الطبع عند المعلم .

وقد أجمع المربون قديما وحديثاً على ضرورة تجنب الشدة والقسوة في التعليم ، لأنها تفسد معاني الإنسانية عند الإنسان ، وتؤدي إلى الانصراف عن العلم والانحراف في السلوك .

واللائق بالمعلم : أن يتحلى بالرحمة والشفقة ، حتى يكسب ودّ التلاميذ وثقتهم ، ويؤثر في سلوكهم .

وأسلوب القسوة والشدة قد يحقق الأهداف التعليمية دون الأهداف التربوية ، وقد ينفع مع البعض وليس الجميع ، ولهذا قد يبني المربي جوانب إيجابية في نفس الناشئ ، لكن القسوة والشدة تهدم هذه المعاني الحسنة ، لأن القسوة تفسد الأخلاق وتمنع نماء العقل .

6- اقتصار المعلم على تلقين الآيات القرآنية ، وهذه الطريقة لا تكفي ولن تؤثر في السلوك والأخلاق ، وهذا ولا شك أسلوب تربوي ناقص ، واللائق بالمعلم العناية بالجوانب السلوكية والأخلاقية ؛ وما المتخرجون من الحفظة ، ولهم سلوك يخالف مما حفظ من قرآن إلا ثمرة لهذا الأسلوب التربوي .

فالمعلم يجب عليه أن يهتم بأدب النفس ، كما يهتم بأدب الدرس ويشرح بعض معاني الآيات بإيجاز ، أو يذكر بعض القصص المتعلقة بها ، أو يخصص كل يوم في أول الدرس شرح الآيات المحفوظة .

7- النظرة المصغّرة للتلاميذ ، وهذه سببها قصر النظر عند المعلم ، أو الإعجاب بنفسه ، وعلى المعلم أن يشبع هذه الحاجة في نفس التلميذ ، وهي الاعتداد بالنفس ، فالتلميذ يحب أن يرى نفسه في أعين الآخرين كبيراً ، لاسيما أساتذته ، بل ويسرّ كثيراً عندما يسمع كلمة ثناء منهم ، ويحرص على عدم الوقوع في الأخطاء على الأقل بحضرتهم ، حتى لا يوصف بأنه ما زال صغيراً أو جاهلاً .

وهكذا تُشبع هذه الحاجة من خلال تحميل التلميذ بعض المسؤوليات ، ليُشعَر أن له مكانة خاصة عند المعلم .

8- ضعف الصلة بين التلاميذ ، وعلى المربي أن يعمل على تقوية هذه الصلة بين التلاميذ ، قال الغزالي : وكما أن حق أبناء الرجل الواحد أن يتحابوا ويتعاونوا على المقاصد كلها ، فكذلك حق تلاميذ الرجل الواحد التحابب والتواد ا.هـ

ويمكن ذلك بطريق إقامة الرحلات والمخيمات والزيارات .

ويطلق الزرنوجي وحاجي خليفة على الزميل في الحلقة لفظ الشريك ، ولعلهما لاحظا أن هناك منفعة مشتركة تربط الزميل بالزميل ، وأن تعاونهما ينتج الخير لهما جميعاً ، كالذي يحدث بين الشريك والشريك في التجارة .

ومن النصائح التي يذكرها المربون لطلابهم : ألاّ يصادق من زملائه إلا المجد الورع وصاحب الطبع المستقيم ، ويفر من الكسلان والمُعطّل والمكثار .

9- عدم اعتراف المعلم بالخطأ ، وحجة المعلم أن ذلك يُنقص من مكانته عند تلاميذه ، وقد يكون السبب هو اعتقاد المعلم المقولة المشهورة ، والتي تفشّت في أوساطنا التربوية : المعلم هو المصيب دائماً وإن أخطأ ، والطالب هو المخطئ وإن أصاب . وهذا قول زور .

والنفس البشرية جُبلت على الخطأ والنسيان ، وكل بني آدم خطاء ، وخير الخطائين التوابون .

10- ضعف المعلم في التلاوة وأحكام التجويد ، وهذا يتطلب من معلم القرآن أن يطوّر نفسه ويقرأ على شيخ ، أو يستمع إلى قراءات مشاهير القراء المجوّدين .

11- ارتياد المعلم لمواطن التهم ، فالتلاميذ إذا رأوه زهدوا في علمه وأخلاقه ونصحه وإرشاده ، إذ هو قدوة لهم ، وأعينهم معقودة عليه . قال ابن جماعة : ويتجنّب مواضع التهم وإن بعُدت ، ولا يفعل شيئا يتضمن نقص مروءة أو ما يستنكر ظاهراً وإن كان جائزاً باطناً ، فإنه يعرّض نفسه للتهمة وعرضه للوقيعة ويوقع الناس في الظنون المكروهة وتأثيم الوقيعة ، فإن اتفق وقوع شيء من ذلك لحاجة أو نحوها ، أُخبر من شاهده بحلمه وبعذره ومقصوده ، كيلا يأثم بسببه أو يُنفَّر عنه فلا يُنتفع بعلمه ، وليستفيد ذلك الجاهل به ا.هـ

فاللائق بالمعلم أن يكون قدوة عملية حاضرة ، ليقبل التلاميذ ما لديه من معارف وسلوكيات حسنة .

12- العجلة في التعليم ، فالقراءة المتأنية تساعد على الفهم والحفظ ، والدارس لأسلوب التعليم النبوي يجد هذه السمة واضحة في تعليمه لأصحابه r ، من التمهل والترسل والكلام الفصل الذي يحفظه من سمعه ، وهكذا صوت المعلم يجب أن يكون واضحاً يسمعه كل طالب في الحلقة ، فالصوت العالي يضر مثل ضرر الصوت المنخفض ، لأنه يؤدي إلى تشتت الذهن ، ويجعل المتعلم في حدة ، وخاصة ثقيل السمع .

13- محاباة المعلم لأحد التلاميذ أو بعضهم ، وهذا مُفسد للعملية التربوية ، ويُضعف ثقة التلاميذ بمعلمهم ، وبالتالي يدب الحسد في نفوسهم ، والحقد على التلاميذ الذين يجدون تلك الحفاوة والاهتمام من قبل المعلم لأسباب شخصية .

والواجب العدل بين التلاميذ ، ويُنزِل المعلم كلاً بمنزلة بنيه ، كما مرّ معنا – وتشجيعهم جميعاً ، ويكون معيار المفاضلة بينهم خاضعاً للمعايير الشرعية والتربوية ، كالتحصيل العلمي الرفيع والجد والاجتهاد والسلوك الحسن والمواظبة على الحضور .

14- عدم السماح لهم باللعب ، فالتركيز على الجانب العلمي دون إفساح المجال للطلاب بممارسة بعض الأنشطة الترويحية قد يُضعف الدافعية عند التلميذ في الرغبة في التعلم ، لأن التلميذ في السن المبكرة يميل إلى اللعب والحركة ، وكبتها يفجّرها ، بل يُميت قلبه ويُبطل ذكاؤه ، وينغّص عليه العيش ، حتى يطلب الحيلة في الخلاص من الدرس ، هذا معنى ما ذكره الغزالي .

فعلى القائمين على تعليم التلاميذ : أن يجعلوا لهم نصيباً من اللعب والرياضة ، لأنه يبعث في التلاميذ نشاطاً في أجسامهم ، وقوة في عقولهم ، ولذة في حياتهم ، ويكون ذلك تحت إشرافهم وإدارتهم .

"التربية الإسلامية" لأحمد شلبي ص (306 ، 313) ، "أصول التربية" لأحمد علي الفتيش ص (144)

"من أعلام التربية العربية" عبد الغني عبود الحاج العبدري (4/278)

"إحياء علوم الدين" للغزالي (1/69) ، "تعليم المتعلم" للزرنوجي ص (15)

"العلاقة بين الطالب والمعلم" محمد إسماعيل عمار ص (46)

"تذكرة السامع والمتكلم" لابن جماعة ص (20) ، "إحياء علوم الدين" للغزالي (3/79)

الثمرات التربوية والتعليمية للحلقات القرآنية :

أحياناً بعض الآباء والتلاميذ يجهل الثمرات والفوائد من هذه الحلقات ، وهكذا عامة الناس ممن يسمعون عن هذه الحلقات وأنشطتها ، وبالتالي يتهاون الناس في دعم هذه الحلقات ، بل ويتهاون التلاميذ في الحضور إلى الحلقة ، ويكون الدافع إما خوفاً من الآباء والأمهات ، أو رغبة في الجوائز والمكافآت ، أو استجابة لرغبتهم الذاتية في إشباع حاجة الاجتماع ، وإليكم بعض الثمرات :

1- إحياء الطريقة النبوية في تلقي القرآن ، والذي يتم في الحلقات القرآنية هو سماع التلميذ من المعلم وعرض التلميذ قراءته على المعلم ، وفي الحديث :" أن النبي r كان يعرض عليه القرآن كل عام مرة ، فعُرِض عليه مرتين في العام الذي قبض فيه ..." خرّجه البخاري في "صحيحه" . قال الحافظ : يعرض : أي يقرأ ، والمراد يستعرضه ما أقرأه إياه ... قال : وكل منهما كان يعرض على الآخر .... قال : والمحذوف هو جبريل ، صرّح به إسرائيل في روايته ا.هـ

2- استمرارية سلسلة السماع القرآني ، فإن جبريل عليه السلام أمين الوحي ، تلقّى القرآن سماعاً من الله تبارك وتعالى ، وفي الحديث : أن النبي r قال :" إذا أراد الله تبارك وتعالى أن يوحي بأمره تكلّم بالوحي ... فيكون أول من يرفع رأسه جبريل عليه السلام ، فيكلمه الله من وحيه بما أراد ". خرّجه ابن أبي عاصم ، وضعفه جماعة ، وحسّنه آخرون ؛ إذاً فسلسلة السماع بهذا القرآن تنتهي إلى مقام الألوهية .

وقد ساق الحافظ الذهبي إسناده في القراءة برواية حفص ، فانتهى به إلى رب العالمين ، وهذه سلسلة مباركة .

3- العمل بمقتضى العلم ، لأن العبرة ليست بالحفظ فحسب ، ولكن العبرة بالعمل ، وحفظ القرآن دون العمل به خلل تربوي حذّر منه السلف ، يقول ابن عمر : كان الفاضل من أصحاب رسول الله r في صدر هذه الأمة لا يحفظ من القرآن إلا السورة أو نحوها ، ورُزقوا العمل بالقرآن ، وإن آخر هذه الأمة يقرؤون القرآن ، منهم الصبي والأعمى ، ولا يُرزقون العمل به . خرّجه القرطبي .

والنبي r كان يُقرئ جيل الصحابة العشر ، فلا يجاوزونها حتى يتعلموا ما فيها من العمل ، كما مر معنا . والخبر خرّجه أحمد وهو صحيح .

4- إحياء لرسالة المسجد ، فالمسجد لم يكن موضوعاً لأداء الصلوات فحسب ، بل كان مؤسسه تربوية تعليمية على مدار التاريخ ، ومهما تنوعت وتباينت مؤسسات التربية والتعليم ، فإنه يبقى للمسجد رسالته ، بل يتبوأ مكان الصدارة والأولوية في رسالة التعليم القرآني بخاصة .

واجتماع التلاميذ في المسجد يجسّد العلاقة ، ويُشعر بالانتماء للمسجد والتفاعل الاجتماعي ، وينتشر العلم في كل أسرة وفي كل حي ، وفي حديث بكير بن الأشج : أنه كان بالمدينة تسعة مساجد ... خرّجه الدارقطني ، وقال العظيم آبادي : حديث مرسل . وفي صحيفة همام بن منبه : أن أكثرها اتخذ مدارس للتعليم .

5- التفوق الدراسي ، فالارتباط بكتاب الله تعالى قراءة وحفظاً وتعلماً هو أقوى شيء في تكوين القدرات العقلية والأخلاقية ، وهو يُمدّ التلميذ بذخيرة لغوية تنفعه نفعاً كبيراً في حياته العلمية .

ولقد أثبتت البحوث والدراسات التي أجرتها إدارة تعليم البنين "وزارة المعارف" على الطلاب الذين يحفظون القرآن الكريم في مساجد الأحياء ، أن 90 % من الطلاب مبرّزون في جميع دروسهم الأخرى بما فيها الرياضيات والعلوم والجغرافيا ، وتوصّل الباحث في دراسته الميدانية في مجال تعليم البنات ، تفوق طالبات مدارس تحفيظ القرآن الكريم في القراءة والإملاء على طالبات المدارس العادية .

وأثبتت دراسة أخرى أُجريت على طلاب المرحلة الابتدائية ، مدارس التعليم العام ومدارس تحفيظ القرآن الكريم في تنمية مهارة القراءة والكتابة : أن طلاب مدارس تحفيظ القرآن الكريم تفوقوا على أقرانهم في مدارس التعليم العام .

فتدريس القرآن الكريم سواء في الحلقات أو المدارس يُنمّي كثيراً من المهارات الأساسية في التعليم .

6- الحصول على الرحمة الربانية ، كما قال تعالى :{وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُواْ لَهُ وَأَنصِتُواْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} الأعراف: ٢٠٤ وقال r : « ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله ، يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم ، إلا نزلت عليهم السكينة وغشيتهم الرحمة وذكرهم الله فيمن عنده ...» خرّجه مسلم .

وفي خبر ثابت بن عجلان الأنصاري قال : كان يقال : إن الله تعالى ليريد العذاب بأهل الأرض ، فإذا سمع تعليم الصبيان الحكمة ، صَرَف ذلك عنهم . قال مروان – أحد رواة الحديث - : الحكمة : القرآن . خرّجه الدارمي ، وفي إسناد ضعف ، وفي ترجمة أبي منصور البغدادي الخياط ، قال السمعاني : رُؤيَ بعد موته – يعني الخياط – فقال : غفر الله لي بتعليمي الصبيان الفاتحة .

7- التعلم الاجتماعي ، أكّدت الدراسات الاجتماعية أهمية التعليم الجماعي ، لأنه يساعد على زيادة سرعة النشاط وكميته ، نتيجة لرؤية الزملاء الذي يقومون بأوجه نشاط مماثلة ، أو سماع أصواتهم عند القراءة ، ويُطلق على ذلك – التيسير الاجتماعي أو التعلم الاجتماعي .

وقد كان الخلفاء لا يكتفون باستدعاء المربّين لأولادهم في القصور ، بل كانوا مع هذا يرسلونهم لينضموا إلى الحلقات مع أقرانهم ، ثم يتلقّون من المؤدب في القصر لوناً آخر .

8- اكتساب ملكة التدبُّر ، فتكرار تلاوة الكتاب العزيز ومراجعته آناء الليل وأطراف النهار تحقّق بعض مقاصد هذا الكتاب العظيم ، كما قال تعالى :{كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ } ص: ٢٩ وهذه الملكة تكسب التلميذ الفهم والمعرفة وقوة الاستنباط والتفكير ، وكلما ازداد العبد تأملاً فيه ازداد علماً وعملاً وبصيرة ، ووصل العبد إلى درجة اليقين .

9- رفع منزلة أهل الحلقات الحُفّاظ ، فهي خير معين للتلميذ على حفظ كتاب الله عز وجل ، وهذا يرقى بمنزلته ودرجته عند الله تعالى ، وفي الحديث : قال r : «يُقال لصاحب القرآن اقرأ وارق ورتِّل كما كنت ترتِّل في الدنيا ، فإنَّ منزلتك عند آخر آية تقرؤها» . خرّجه أبو داود ، وهو حسن .

وقال r : « إن لله أهلين من الناس » ، قالوا : من هم يا رسول الله ؟ قال : « أهل القرآن هم أهل الله وخاصته » خرّجه ابن ماجه ، وهو صحيح .

وقال r : « يجيء بصاحب القرآن يوم القيامة ، فيقول القرآن : يا ربِّ حلّه  فيُلبس تاج الكرامة ، ثم يقول : يا ربِّ زِده ، فيُلبس حُلةَّ الكرامة ، ثم يقول : يا ربِّ ارض عنه ، فيرضى عنه ، فيُقال له : اقرأ وارق ، ويزداد بكل آية حسنة » خرّجه الترمذي ، وهو حسن .

10- الانتفاع بملازمة معلم القرآن ، وهي ولا شك من وسائل التعلم المؤثرة ، وقد أكّد المربون المسلمون هذه الحقيقة ، قال محمد بن سيرين : إن هذا العلم دين ، فانظروا عمن تأخذون دينكم . خرّجه مسلم

وقد ذكر الشاطبي طرق أخذ العلم ، فقال : أحدهما : المشافهة ، وهي أنفع الطريقين وأسلمهما ، لوجهين : الأول : خاصية جعلها الله تعالى بين المعلم والمتعلم ، يشهدها كل من زاول العلم والعلماء ، فكم من مسألة يقرؤها المتعلم في كتاب ، ويحفظها ويرددها على قلبه فلا يفهمها ، فإذا ألقاها إليه المعلم فهمها بغتة ، وحصل له العلم بها بالحضرة ...

وقال : من فوائد مجالسة العلماء ، إذ يفتح للمتعلم بين أيديهم ما لا يفتح له دونهم ، ويبقى ذلك النور لهم بمقدار ما بقوا في متابعة معلمهم ، وتأديبهم معه واقتدائهم به ...ا.هـ

وقد أثبتت الدراسات النفسية : أن الطفل يرث من أبويه وشجرته الوراثية صفاته الجسمية والعقلية ، أما الصفات الخُلُقية فإنها تكتسب بالمحاكاة والقدوة الحسنة والتربية والتجربة .

وهذه الملاحظة التربوية قد سبقت إليها التربية الإسلامية ، كما قال r : « كل مولود يُولد على الفطرة ، فأبواه يهوِّدانه أو ينصِّرانه أو يمجِّسانه ، كمثل البهيمة تنتج البهيمة، هل ترى فيها جدعاء » خرّجه البخاري في "صحيحه" .

إذا فصحبة المعلم من عوامل بناء الشخصية المسلمة ، إذ هو في الغالب أقرب إلى الاستقامة والسمت الحسن والعمل بالقرآن وتعلّم التلميذ منه الكثير من السلوكيات الصالحة بالقدوة ، وهكذا التلاميذ في حلقة القرآن ، يكونون صالحين ، فتبرز القدوة الحسنة بصفة دائمة ، قولاً وعملاً أمام الناشئ ، فيقلد سلوكها ويحاكي تصرفاتها الإيجابية ويستن بها .

11- تربية العواطف الدافعة والرادعة عند التلميذ ، فالتلميذ من خلال دراسته للقرآن تبرز عنده عاطفة الخشوع كواحدة من العواطف الدافعة عندما يمر بالآيات التي تتحدث عن قدرة الله في الخلق والإيجاد من العدم ، وتبرز عاطفة المحبة والإقبال على الخير عندما يمر بالآيات التي تبين ما أعده الله لأهل الجنة من النعيم ، وتظهر العواطف الرادعة كالخوف والرهبة عندما يقرأ الآيات التي تتحدث عن الناس ومصير الظالمين .

12- حسن خُلق المتعلم ، فالتلميذ يتربى في الحلقة على الحياة الجادة المستقيمة ، وتنغرس في نفسه الأخلاق الحميدة ، فالقرآن مشتمل على منهج إصلاح النفوس وتزكيتها ، وفي الحديث : أنَّ رجلاً ذُكر بخير عند رسول الله r ، فقال : « أولم تروه يتعلم القرآن » خرّجه أحمد وهو حسن ، وفي الحديث : أنَّ تعلم القرآن دلالة على صلاح المتعلم في الغالب ، وفي حديث آخر : أن النبي r قال : « ... وليس ينبغي لحامل القرآن أن يسفه فيمن يسفه أو يغضب فيمن يغضب أو يحتد فيمن يحتد ، ولكن يعفوا ويصفح لفضل القرآن » خرّجه الطبراني في "الكبير" مرفوعاً ، وابن المبارك عن عبد الله بن عمرو موقوفاً ، والصواب الوقف .

13- سلامة النطق ، فالاستمرار والانتساب إلى حلقات التحفيظ تُكسب التلميذ فصاحة اللسان وسلامة النطق السليم ، وهذه المهارة اللغوية من أولويات أهداف التعليم القرآني ، بخلاف من لم ينتسب إلى الحلقات ، فقد يكتسب اللغة بطريقة غير صحيحة ، أو تكون مشوبة ببعض الأخطاء اللفظية لتغيير النطق في بعض الحروف .

14- حفظ وقت التلاميذ ، ذلك أن الفراغ : إما صديق ودود لمن شغله بالنافع المفيد ، أو عدو لدود لمن دمّره بالممارسات المحرمة أو المكروهة ، فالالتحاق بالحلقات القرآنية وما تقدمه من برامج مساندة من الوسائل الهامة في حفظ وقت أبناء المجتمع ، وقد دلت نتائج بعض الدراسات النفسية : أنَّ عدم شغل وقت الفراغ لدى الأبناء يوقعهم في الاغتراب والعنف والجريمة والمخدِّرات .

وهذا آخر الكلام ، وما استطعت إلى ذلك سبيلاً ، هذا ما نعلم ، وفوق كل ذي علمٍ عليم .

وصلى الله وسلم على نبينا محمد بن عبد الله ، وعلى آله وصحبه أجمعين .

"سنن القراء" عبد العزيز القارئ ص (28) ، "فتح الباري" لابن حجر (9/54- 58) رقم (4998)

"السنة" لابن أبي عاصم (1/227) رقم (515) ، "الجامع لأحكام القرآن" للقرطبي (1/31)

"تخريج أحاديث منتقدة في كتاب التوحيد" لفريح البهلال ص (4، 43)

"مسند أحمد" (16/416) رقم (22665) ، "سنن الدارقطني" (2/85 ، كتاب الجنائز ، باب تكرار المساجد .

"مقال في مجلة البحوث الإسلامية" مناهجنا والتربية الإسلامية" لمحمد عثمان كشميري (17/325)

"دور القرآن في تنمية مهارات القراءة والكتابة" ، لسعيد المغامسي ص (15-17) ،

"الفروق في مهارات القراءة والإملاء والحساب" لهاشم بار كندي ص (20)

"شرح مسلم" للنووي (17/24) رقم (2699) ، "التذكار في أفضل الأذكار" للقرطبي ص (147)

"نزهة الفضلاء" لمحمد بن حسن عقيل (3/1347) رقم (5) ، "سنن الدارمي" (2/530) رقم (3345)

"علم النفس الاجتماعي" لحمزة مختار ص (95) ، "التربية الإسلامية" لأحمد شلبي ص (297)

"تفسير السعدي" ص (154) سورة النساء آية 82 ، "الموافقات" للشاطبي (1/60-61)

"الترغيب والترهيب" للمنذري (2/322) رقم (2110-2111) ص (327) رقم (2121)

"شرح مسلم" للنووي (1/199) ، المقدمة ، باب النهي عن الرواية عن الضعفاء .

"التربية الإسلامية وفلاسفتها" لمحمد عطية الإبراشي ص (255)

"فتح الباري" لابن حجر (3/312) رقم (1385)

"مسند أحمد" (17/312) رقم (24255) ، "الفتح الرباني" للساعاتي (18/6)

"مجمع الزوائد" للهيثمي (7/162) ، "فضائل القرآن" لابن كثير ص (296-297)

"مسؤولية الأب المسلم في تربية الولد في مرحلة الطفولة" لعدنان حسن باحارث ص (570)

"مهارات التدريس في الحلقات القرآنية" لعلي الزهراني ص (345-357)

 


 


 هذا البحث اختصار وتهذيب لكتاب ( مهارات التدريس في الحلقات القرآنية ) لعلي الزهراني .

 

 

كتابة تعليق
الاسم:
العنوان:
تأثير نصي:صفحة انترنتبريد الكترونيخط عريضخط مائلنص تحته خطاقتباسكودفتح قائمةعناصر القائمةإغلاق القائمة
التعليق:

1  -  الاسم : المتعلم لا     من : جزاك الله خيرا      تاريخ المشاركة : 24/1/1429 هـ
انا متأكد من أنك يشيخ جلست في حلقات القران طالبا ومعلما لأن هذا الكلام لا يصدر الا من هذين الاثين
2  -  الاسم : أياس لا     من : القصيم بريدة      تاريخ المشاركة : 26/3/1429 هـ
جزاك الله خيرا فضيلة الشيخ 
 
ولاكن ماكتبت واجب الطالب لمدرسة  
لأني كثيرا ما أود أن أكافئ مدرسي 
وأن أسعده وأكون طالب مميز في الحلقة لاكن لا أعرف كيف
3  -  الاسم : ابو محمد لا     من : smqorashi@stc.com.sa      تاريخ المشاركة : 2/1/1431 هـ
ارغب ياشيخ في ان تخدمنى حيث ابحث عن مربي على قدركبير من المميزات من حفظ للقران الكريم وصاحب سنة وكثير من الامور التى لاتخفى عليك من الموصفات المطلوبة في مربي 
ولكم مني جزيل الدعاء

 

طباعة

2042  زائر

إرسال


أراد أحد الصالحين أن يُطلَّق امرأته، فقيل له: ما الذي يريبك فيها؟ فقال: العاقل لا يهتك ستر امرأته، فلما طلَّقها، قيل له: لِمَ طلّقتها؟ فقال: قد أصْبَحت أجنبية عني، والحديث عنها غيبة، والغيبة حرام. «قطوف مختارة» لعبد الله بن يحيى الغامدي (ص137).
إيقاف تشغيل / السرعة الطبيعية للأعلى للأسفل زيادة السرعة تقليل السرعة  المزيد
 
  الأعمال المشروعة في رمضان 

  العشر الأواخر 

  وداع رمضان 

  الناس وسيد الشهور 

  دعاء ختم القرآن 

  هي خير من ألف شهر 

عبائتي كمها ضيق فهل ألبسها؟   كيف يرقي الإنسان ويعوذ أولاده